fbpx

ننشر مقدمة “عمرو خفاجي” لـ كتاب “حكاية سناء”

في مديح سيرة النقصان

في البدء، كتب عنها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، رجل التفكير والتنوير في القرن العشرين: «… فليس لأحد على تمثيلها سبيل»، لذا لنا أن نتخيل جميعًا كيف كان المنتهى!

نعود للبدء، حين ذهب الدكتور طه حسين إلى المسرح لمشاهدة مسرحية «زواج فيجارو» بذهنية متقدة قادرة على الشوف/الرؤية، ممتلكة لكل أدوات الاكتشاف.. ذهب ليتكشَّف، ويكتشف حال الفن في بلاده، فوجدها.. وجد «سناء جميل»، فكتب ما كتب.

ممثلة أقنعت عقله ومشاعره وهو مَن شاهد نفس الدور في ذات المسرحية حين كانت تؤدَّى على المسارح الفرنسية فأغرته المقارنة.

لم يكن العميـد يعـرف «سنـاء» لأنها كـانت تبـدأ مشـوار التمثيل والتشخيص، مثلمـا كـانت الحركـة المسرحية المصـرية الجادة تخطو خطواتها الأولى المترددة.

لم يعرف صاحب المعرفة الكبرى في تاريخنا الثقافي أن ما كتبه سيكون الجملة الأولى في كتاب الممثلة سناء جميل الذي ما يزال مفتوحًا يقبل الإضافات.

حروف العميد كانت الإضاءة الأولى لإنارة طريق فتاة مصرية، وجدت نفسها متورطة في عشق فن التمثيل، وقت كان هذا العشق محرمًا ومجرمًا في مجتمع يبحث عن سبيل جديد وسط ظلام الاستعمار وظلامية نتائجه.

ومن هنا كانت فداحة الأثمان المدفوعة، إذ لم تكن رحلة سناء مجرد رحلة تقليدية صعبة ومعقدة في عالم الفن عاشها كثيرون وكثيرات قبلها وبعدها، بل كانت الرحلة في عمق تقاليد وثقافة مجتمع جامد رافض للنهوض، حتى لو أحب شكل ومظاهر النهضة. كان الداخل معتمًا حقًّا، مقيدًا بتراث من عادات ذات أثقال مهولة، تكبل أي نهضة ممكنة، خاصة في ما يتعلق بالمرأة التي لا يمكن وصفها إلا بالمرأة المكبلة بقيود المقولات والأفكار المتراجعة والخائفة.

عاشت المرأة لسنوات في بلادنا مرعوبة من كل الاتجاهات.. من أمامها ومن خلفها ومن فوقها ومن تحتها، مخنوقة عن يمينها وعن شمالها.

وتزداد الأمور وطأة وشدة إذ وجدت هذه المرأة نفسها مولودة في الجنوب بعيدة جدًّا عن أي سبيل لإنارة أي شيء سواء كان فكرة أو خطوة لأي حركة تمضي نحو الأمام.

والمدهش حقًّا، أن صاحب حروف الإضاءة الأولى لموهبة سناء ابنة الجنوب كان مثلها أيضًا من الجنوب، مولود مثلها في الصعيد، ومصادفةً كان كلاهما من محافظة واحدة هي المنيا، بالطبع لم يكن العميد يعرف ذلك، لأنه كان في تلك الليلة حين رآها على المسرح، مجرد عابر باحث عن الإشارات الأولى لنهضة بلاده، فمنحها بعبوره وكتابته ثقة أكملت بها رحلتها نحو مجد تجاوز كثيرًا حدود الفن، واتسع لكل عناوين معارك المرأة المصرية نحو تقدمها.

ولذلك لا يمكن لرحلة سناء إلا أن تُقرأ كـ«رحلة» استثنائية مدهشة في تاريخ الفن والمرأة والمجتمع في القرن العشرين، رحلة عن الصعيد والمسرح والعلم واللغة العربية والقسوة والمحبة وعن مفارقة الجمع بين القبح والجمال وبين رحلة العنوسة والسكن في الزواج والتعايش مع عدم الإنجاب، وهي أيضًا رحلة اكتشاف للرجل الشرقي وسلوك المثقف عن الزوج الذي يسرق من زوجته خمسين جنيهًا ويترك لها جرحًا مكتومًا باتساع العمر.

رحلة تعيد النظر في معنى النجومية وشكل المرأة الجميلة، وما يصنعه الحب الشجاع والحب الجبان، وهي كذلك عن قسوة الشقيق وصمت العائلة المختفية وغراميات ابن الجيران وشهامة الضباط.

وهي من زاوية أخرى رحلة كشف عن صراعات الوسط الفني ومبررات الكـذب أحيـانًا وأثمـان الصراحـة دائمًا، رحـلـة تتـقصى الشجـاعة وتـؤرخ للخوف من «مغاغة» وتصعد به إلى «جبل المقطم» وتطوف معه حواري «غمرة» وسينمات موسكو ومسارح فرنسا.

إنها مرآة كبرى تحفل بأسماء وعلامات كثيرة بوزن زكي طليمات وخليل مطران ويوسف وهبي وأحمد حمروش وثروت عكاشة وصلاح أبو سيف ويوسف شاهين وسميحة أيوب وإسماعيل ياسين.

وبما أن الرحلـة عن سناء فهي أيضًا عن المسلم والمسيحي والعلاقة بينهما.. لأن ما ترويه سناء عن زواجها من الكاتب الكبير لويس جريس، يستحق الاستبصار، فقد كانت متعجلة على إتمام هذا الزواج، فطلب إليها العريس أن تمهله بعض الوقت حتى يتمكن من إشهار إسلامه.. لم يكن يعرف أنها صعيدية قبطية مثله تمامًا.

بـل عنـدما طلبها المخرج العـالمي «مصطفى العقـاد» لتقديم شخصية بطلة مـن بطـلات التـاريخ الإسلامي اللاتي أشهرن إسلامهن في بداية الرسالة المحمدية أفادت وأجادت ولم تتحدث مع المخرج ولو لمرة واحدة بخصوص ديانتها.

وعنـدما بلغت نهـاية الرحلة حزنت سنـاء حـزنًا شديدًا لأن صديقتها المقربـة من قلبها قاطعتها لاختلاف العقيدة.. حزنت لأنها لم تفهم ما حدث ولماذا حدث وحاولت فك القطيعة لكنها فشلت.

وحاولت بقية عمرها البحث عن إجابات لهذه الأسئلة الضخمة المروعة وفشلت مثلما فشلت في الإجـابة عن الأسئلة الكـبرى التي واجهتهـا في رحلتها الغريبة.

هنا تحديدًا، تكمن أهمية كتاب «حكاية سناء»، فهو أولًا يكتشف أهمية الأسئلة التي طرحها الزمن وفرضتها الأحداث على هذه الممثلة الفريدة والغريبة.

ويضع خطوطًا واضحة عند الأسئلة التي أتعبتها وأرهقتها وتحايلت سناء لتهرب من الإجابة عنها.. وبشجاعة لافتة تعود روجينا بسالي لهذه الأسئلة، من خلال رحلة بحث دقيق ومتفحص لزوايا غير مطروقة في سيرة السيدة التي (ليس لأحد على تمثيلها سبيل).

وعبر تحقيق موثق لمشوار (سيدة الإحساس) تتأمل في الكتاب ترابط حكاية الفتاة وحكاية السيدة، وما بينهما من وشائج وصلات ليكتشف القارئ كيف أن هناك دائمًا شيئًا غير مكتمل.. بدءًا من اسمها «ثريا»، مرورًا بموقع الأب وموقف شقيقها الذي لم تره منذ الليلة التي عرف فيها أنها طالبة تمثيل.

ليلـة فقدت فيهـا نصف سمعهـا واحترقت فيها القاهرة تمامًا (٢٦ يناير ۱٩٥۲) وهي مفارقة أخرى جعلت التمثيل -مُمَثَّلًا بالفنان سعيد أبو بكر- هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى.

يحتفي «حكاية سناء» بالنقصان وتتجدد معه فتنة السؤال.

فبعد حكايات كثيرة.. لا نعرف إن كان لويس جريس كاتبنا الكبير هو الزوج الأول أم الثاني وربما الثالث في حياة سناء جميل.

وهل تزوجت فعلًا بشقيق فنان شهير أم لا؟

هل حصلت على جائزة التمثيل من مهرجان موسكو؟

ولو كانت قد حصلت عليها، هل كانت الجائزة الأولى أم الثانية؟ أم أنها لم تحصل عليها من الأساس وكانت مجرد كذبة بيضاء اخترعتها  لتُرضي «نفيسة» نفسها؟ لا خيط يمتد معنا إلى النهاية.

وفي «حكاية سناء» تستكمل روجينا بسالي البناء الناقص، تفتش عن المخبوء بنبل نادر، دون أن تعبث بالنيَّات والسرائر، وتحاول أن تكتب قصتها بدقة -وإن شئت- بحب وأيضًا بشجاعة، تشبه شجاعة سناء نفسها.

كانت سناء جميل ممتنة جدًّا لمعلمها زكي طليمات صاحب الفضل في دخولها معهد التمثيل الذي تكفل برعايتها بعد ليلة الحريق الكبرى لكنها تقول ببساطة مذهلة «تمثيله لا يعجبني»، وعلى نفس الدرب سارت روجينا بسالي وقالت كل ما يصعب قوله عن بطلتها المبجلة.

قالته برقة الفنان، حتى لو كانت الشجاعة فاضحة لمولودة الصعيد وكاشفة لما خفي من سيرة سيدة الإحساس.

عرفت روجينا رقة الفنان في توقيت مبكر وبفضل سناء، عندما داهمها مشهد وداعها وهي لم تزل فتاة صغيرة، كان تمسك الزوج لويس جريس بها لحظة الرحيل الأخير ورفضه لاختفاء صندوقها في غياهب الأرض مؤلمًا لدرجة أن الفتاة الصغيرة التي شاهدته قررت يومها فك طلاسم هذا المشهد، وفعلت ذلك عبر فيلمها البديع «حكاية سناء» الذي فجر أسئلة جديدة، مثل أي عمل فني قيم يحافظ على طزاجته بإنارة عقل المشاهد وهز قناعاته.

ومن المدهش حقًّا أن الفيلم أثار أيضًا عقل كاتبته ومخرجته روجينا بسالي لتفكر مجددًا في استكمال «حكاية سناء» ومقاربتها عبر وسيط جديد هو الكتابة، فأنتجت هذا الكتاب الذي لا تخشى صاحبته شيئًا ولا تخاف أي محظور ولا تتوخى فيه الحذر الواجب وهي تتوغل في كل الأراضي الملغمة المحاطة بشتى القيود.

*****

عمرو خفاجي 

2 يونيو 2021

لمتابعة الكتاب على موقع الجود ريدز أضغط هنا

لشراء نسخة من الكتاب من موقعنا أضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *