fbpx

تجسيد الغائب في الدراما الوطنية

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

تجسيد الغائب في الدراما الوطنية

سأتحدث هنا حديثا مختلفا عما قرأته من تعليقات حول مسلسل الاختيار، وبالذات عن الحلقة 28 التي رأيتها كاملة.

بداية أنا غير متابع لمسلسلات التليفزيون في رمضان، ليس موقفا منها، فلقد قضيت عمري متابعا لها منذ ظهر التليفزيون في مصر في بداية الستينات من القرن الماضي.

والحديث يمكن أن يتسع لذكر عشرات من المسلسلات التي كانت تقيّدنا أمام الشاشات بعد الإفطار، لكن بسرعة أقول أن عدم متابعتي هذا العام وأكثر من عامين سابقين هو لوجود الإعلانات الكثيفة بين مشاهد المسلسلات، والفن بهذه الإعلانات يفقد خاصيته في اندماج المشاهد مع الأحداث التي أمامه والتي هي أحد أهم ملامح الفن حيث تنتهي بما يسمي التطهير، بمعني تغير الحالة الروحية للمشاهد إلي ماهو أفضل بسبب المتعة التي تساعد عليها بل ويكون سببها الرئيسي هو التوحد مع ما هو أمامك.

والذي بعيدا عن المسرح مهما تغير، ففي الدراما يظل الحدث مؤثرا بتتابع المشاهد والفصول وليس بالبعد عنها بالإعلانات. الإعلانات ليست طريقة لما قدمه بريخت للمسرح الذي راهن علي الحضور الذهني للمشاهد أكثر من التوحد الروحي.

الإعلانات ليست كسرا للحائط الرابع مثلا لكنها نزعة استهلاكية انتشرت في زمن العولمة الذي نأخذ منه القشور التافهة. هذه المقدمة الطويلة ليست اعتذاراً عن شيئ لكنها قد تشير إلي من بيدهم الأمر أن يتركونا مع المسلسلات ولا يحولونها إلي بضاعة غير مهمة بإعلاناتهم الفجة.

النقطة الثانية التي أريد أن أتحدث فيها هي أن الأفلام والمسلسلات الوطنية التي تدور حول بطولات الجيش ليس مهما أن تكون حول الانتصار، بل أعظم افلام العالم كانت عن الهزائم وعن الأوقات الصعبة لتجاوز الهزيمة أو الحصار وتستطيعون أن تتذكروا عشرات الأفلام العالمية التي عالجت ذلك بدءا من ” جسر علي نهر كواي” الي الهروب الكبير.

هذا ينقصنا نحن في مصر فبعد هزيمة 1967 وانتصار أكتوبر 1937 حدثت موجة من الأفلام التي تحتفي بالنصر شابها جميعا الحوار المباشر وربما يظل فيلم مثل “أغنية علي الممر” هو الأفضل لأنه فيلم عن ازمة الجنود بعد الهزيمة وحصارهم وانقطاع طريق العودة.

في الأزمات الكبرى تظهر قدرات البشر الروحية وليس أشد من أزمات الحروب وبالذات الهزائم. لست ضد عمل أفلام عن النصر طبعا وعن بعض القادة العظماء في حروبنا لكن أيضا يمكن عمل عشرات الأفلام والمسلسلات عن المهزومين ترفع روحنا إلي السماء. إن طريق العودة لجندي واحد أو أكثر بعد انسحاب 1956 أو 1967 وكيف استطاع الوصول إلي القناة يمكن أن يصنع دراما هائلة بما رآه من أهوال أو مساعدات من بدو الصحراء مثلا وأعرف جنودا في حرب 1956 حكوا لنا ونحن أطفال كيف ساعدهم بدو سيناء علي العودة رغم وصول قوات اسرائيل إلي القناة. من هذه المقدمة الطويلة أدخل إلي ما أريد من حديث عن الحلقة 28 من مسلسل الاختيار التي توفر لها الآتي من عناصر الدراما المؤثرة.

أولا وحدة المكان وهو كمين البرث بأدواره القليلة ولم تكن الكاميرا تبعد عنه إلا قليلا لتصوير الهجوم من الإرهابيين أو قليلا جدا حين نري من يستقبل مكالمات المنسي أو زملائه من العسكريين في المواقع البعيدة أو الذين حاولوا اللحاق بهم بدباباتهم ومصفحاتهم التي قابلتها استعدادات الإرهابيين بالعربات المفخخة. نسبة المشاهد الخارجية قليلة  قياسا علي مشاهد المقاومة والدفاع عن النفس والمكان. النقطة الثانية هي حركة الكاميرا التي كانت تعرف كيف وماذا تختار حتي أنها حين صورت الارهابي الذي يصوب رصاصه إلي رأس الشهيد المنسي من الخلف لم تكمل المشهد وعادت إلي الجنود المحاصرين وتركتنا بعض الوقت ورغم أننا نعرف مما قرأناه أنه قُتل إلا أن التأخير للعودة إلي مشهده مستشهدا علي جدار المبني صار كثير التأثير جدا علي المشاهد. النقطة الثالثة هي الحوار بين الجنود فدافعهم الأساسي عن المكان بما يرمز اليه من وطن دون حديث مباشر عن الوطن، وصار الأهم هو الحديث عن عدم استسلامهم حتي لا يمثِّل الإرهابيون بهم ويلتقطون الصور لجثث الشهداء يتباهون جوارها. قد يري البعض أن هذا موضوع ثانوي فما معني الخوف من التمثيل بالجثة بعد فقدها وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها، لكن المعنى عظيم جدا شكله البسيط أن لا يصل الإرهابيون إلي ما يريدون من سادية وجوهره العميق هو شرف جثث الشهداء حتي بعد فقد أصحابها أرواحهم. تنويعا على ذلك كان الحوار كله بسيطا مثل “أوعي تسيبني ” والرد ” وانا من أمتي سبتك” وهكذا رغم أن المشاهد كان يمكن أن يرتفع فيها الحديث عن مصر الأم والوطن وغير ذلك، لكن المشاعر الإنسانية جعلت الصدق الفني يصل إلي ذروته بمعني الوطن.

بعد ذلك تأتي مشاهد الإصرار التي توزعت على الجميع والتي من أبرزها مشاهد الجندي الشاب الصغير “علي” أن لا يترك أحدا من الإرهابيين يصل إلي جثث او جرحي زملائه حتي أنه اصيب بثلاثين طلقة وظل يقاوم وهذه حقيقة بل وأصيب كما نعرف بعد ذلك بتسع طلقات أخري حتي استشهد. مشاهد “علي” كانت بسيطة ولم يصرخ فيه بشعار واحد من أي نوع وهكذا في كل الحوار. لهذا كله أكتب عن هذه الحلقة وأتعمد إبراز جوانبها الفنية التي جعلت منها ملحمة ولا تنسوا أنها بنت الأزمة الدرامية وليست بنت أي تفكير آخر ومن هنا ارتفعت دراميتها.

أكتب هذا لأذكِّر صناع الدراما بأنه ليس النصر دائما هو مفتاح نجاح العمل لكن كما رأينا هي الروح الانسانية والأزمات ومن ثم فالعودة إلي مقدمة هذا المقال تجعلنا إذا أردنا نفتح الباب إلي دراما عظيمة والتاريخ والحروب التي عشناها أو عاصرناها مليئة. أنهي المقال بأني لا أعلق علي من استثمر الحلقة وراح يحولها إلي عمل سياسي فلا رجاء من هذا الحديث سلبا أو إيجابا وأتوقف عند معنى الدراما وأهميتها كدراما وليس عند أي معنى آخر. الحديث في السياسة له أماكن أخري غير فهم أي عمل فني والإحساس به عند المشاهدين. ومن هنا وجب الشكر لمن كتب أو قام بالتمثيل أو صور أو أخرج أو قام بالمونتاج إلي آخر عناصر العمل الفني لهذه الحلقة الباهرة التي للأسف لم ارَ غيرها من قبل بسبب الإعلانات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *