fbpx

سامح الجباس يكتب “روائي وميكروباص”

الروائي  ( توفيق عبد الرحمن )

لم أقابله أبداً.

ولم أجد له أي صورة فى الانترنت عندما كنت أكتب هذا المقال، ولكنى أتخيله رجلاً جاوز الستين، طويل القامة، نحيل للغاية، يرتدى نظارة طبية، ويمشى منحنياً بعض الشيء.

لم أجد عنه أي معلومات سوى سطر واحد ذكره الكاتب الكبير إدوار الخراط فى إحدى رواياته وذكر فيه أن توفيق عبد الرحمن صديقه.

أول ما سمعت عنه كانت المشكلة التي تسببت بها روايته (قبل وبعد) عندما نشرت فى الهيئة العامة لقصور الثقافة التي صادرها وزير الثقافة فاروق حسنى عام 2001 فى أزمة الروايات الثلاث التي أصدرتها هيئة قصور الثقافة، واكتشف الوزير أنه يجب مصادرتها لحماية الأمن الاجتماعي، بعد حملة كبيرة ضد هذه الروايات فى الصحف.

غالباً لم يقرأ الرواية إلا عدد قليل ولم أكن منهم وقتها.

بعدها  بدأت دار ميريت بإصدار عدد من روايات توفيق عبد الرحمن ومنهم الرواية المصادرة.

وبدأت بعض الأقلام النقدية تكتب عن رواياته.

وقد قرأت هذه الروايات وقتها ووجدت فيها ملاحظتين :

  • الروائي يستخدم لغة سهلة وبسيطة للغاية ويبدو أن عالم المهمشين هو عالمه المفضل.
  • هناك (بصراحة) مبالغة كبيرة وافراط فى استخدام المشاهد الجنسية فى رواياته بشكل مباشر وأحياناً بلا مبرر سوى الإسهاب فى وصف الجنس.

وبصراحة هذا لم يكن مألوفاً وقتها فى الروايات ماعدا (عمارة يعقوبيان)

مجتزأ من الفصل الأول من رواية (قبل وبعد):

صباح كأي صباح آخر في أكتوبر.. من نافذتي، قبة السماء سوداء تماما، وفي أقصى الشرق، هناك خط رمادي. ليس على الرصيف المقابل عمارات، لكن يوجد ملعب كرة قدم للنادي النوبي العام، بابه يفتح على الشارع الجانبي، على ناصيته، المخبز الآلي، وخلفه مصنع شركة الملابس الجاهزة التي يرأسها محمد خضير، وقد كان ضابطاً في بلوكات نظام الإسماعيلية عندما حاصرها البريغادير اكسهام في يناير 52 قبل السبت الأسود.

أيامها، كنت تلميذاً في الزقازيق الثانوية، وكانت الهتافات تبح أصواتنا.. السكسون تحت النعال، السلاح السلاح يا نحاس.. رجل الساعة النحاس.. زعيم الأمة النحاس.. يسقط حلف الدول الأربع. يقف زكي خفاجي عند سلم خامسة ثالث أدبي وفي يده مدفع ستن يخطب.. “ليسكت صوت الكلام ونسمع صوت هذا”، ويطلق دفعة رصاص من مدفعه، تسري قشعريرة في جسدي يقف لها شعر رأسي.. تخرج المظاهرة من المدرسة.. جسم واحد كبير، له آلاف الأيدي الملوحة، وآلاف الحناجر التي تبح بالهتافات. عرفت في هذا الوقت المبكر أنني لن أكون بطلاً.. أخذونا للتدريب العسكري في تل بسطا، وعندما أمرنا المدرب بالانبطاح أرضاً والزحف فوق الحلفا، لم أطق خز أشواك الحلفا، فأمرني بالخروج من التشكيل ووصفني بكلمة بذيئة. الظلام يغرق أثاث الحجرة.. الدولاب البلاكار على اليمين، السرير على اليسار.. النافذة، ثم الكومودينو على يساري فوقه الراديو وعلبة الكلينكس الذي تفضل قدرية استخدامه. رائحتها في سريري.. أفكر فيها عارية تحت الدش، ورغاوي الشامبو تنزلق على ثديها الأبيض الوردي وحلمتها الوردية، وتختلط بهذه الصورة صورتها وهي تفتح لي الباب ترتدي القميص الأسود بحمالات على اللحم، وثدياها الأبيضان الورديان حُرّان داخله. القميص الذي اشتريته من بورسعيد، من كشك في شارع النهضة أمام محل بنجوان، بخمسة وعشرين جنيها.

أفكر كثيراً في الجنس.. هل هذا لأني أقترب من الستين، أم لأن الشك يداخلني في قدراتي التي بِتُّ أخشى أن تخونني، رأيت قدرية في محيط عملي وتناولتها الألسنة. قال واحد إن والدها حِتة عامل في الهيئة وليس موظفاً. وقال آخر إنها هي التي تمشّي زوجها، وهو رجل ذو قرنين. وقالت واحدة إن إشاعات كانت تترد عنها، وإنه كانت تأتيها تليفونات، وزارني زوجها الذي يعمل في السياحة في جنوب سيناء للتعارف، حدثني في استمتاع كبير وزهوّ عن غيرة زميلاتها من “لبسها”، فاللبس يليق عليها ولا يليق عليهن، فأين هن من جمال الجسم والكسم الذي لزوجته. قالت لي قدرية فيما بعد إنها تزوجته عن طريق واحدة صديقة لأختها رآها وهي تشتري شروة السمك، وإنها لم تكن تعرفه قبل أن يتقدم لها. يتشاجران حول عملها ونقودها التي يقول إن البيت لا يستنفع بها وإنها تعطيها لأهلها، وإن بيتها أولى بالوقت الذي تقضيه في العمل، وإنه هو شخصياً لا تلزمه فلوسها، وإن فلوسها على الجزمة القديمة. وتقول هي إنه لا يكفيها، وعندما يكفيها الأول يتكلم. وتتدخل أختها أو أخته كحمامة سلام: البيوت أسرار، والمصارين في البطن تتخانق، وإنها نفس وهو ليس له بركة إلا زوجته، والواحدة ليس لها إلا بيتها. ويتصالحان لتعود ريما إلى عادتها القديمة بعد فترة. تفاجأ به فوقها، وقبل أن تفيق من المفاجأة، يكون قد وصل حدّ رغبته وقام عنها، ثم تكتشف بعد أيام أنها حامل. حدث لها هذا في حملها الأول في الولد، وفي حملها الثاني في البنت، فهي لا تستمتع معه.

 

فى سنتين أو ثلاثة نشر توفيق عبد الرحمن هذا الكم من الروايات ويبدو لى أنه كان قد كتبهما فى سنوات سابقة ولم يتحمس أحد لنشرهم إلا بعد تلك الضجة التي أثارتها مصادرة روايته، لم أقابله ولم أسمع عنه لفترة.

خبر صغير للغاية فى جريدة الأهرام عام 2009 : ميكروباص بدون لوحات معدنية دهس الروائي توفيق عبد الرحمن صاحب رواية “قبل وبعد” واختفت رواياته بموته المأساوي.

وفى بلد يظل يُكرم ويتذكر التافهين، طوى النسيان روائى موهوب تحت عجلات ميكروباص الجهل والعشوائية.

فهل نسيه الوسط الثقافى أيضاً ؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *