fbpx

قريبًا.. “حكاية سناء” كتاب جديد لـ “روجينا بسالي”

يصدر قريبًا عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع، كتاب حكاية سناء عن الفنانة الكبيرة سناء جميل

بقلم: روجينا بسالي

من وقت تحضير فيلمي “حكاية سناء” – الذي تناول حياة الفنانة العظيمة سناء جميل – حتى عرضه لم يكن ببالي وفريق عمل الفيلم سوى سؤال واحد بعد البحث وسماع حكايات أشبه بالأساطير عن هذه السيدة، ماذا كانت لتفعل “سناء جميل” لو لم تعمل في مجال الفن؟ كيف كانت تتحمل وجع وقسوة هذه الرحلة المليئة بالمرارة والتجارب المخيبة للآمال لو كانت عملت بأي مجال آخر ليس المجال الإبداعي من ضمنها؟

كيف كانت تضمن لها أية وظيفة أخرى ما ضمنه الفن لها؟ والذي جنبها تعاسة كانت تضاف لتعاستها وأعباء تفوق قدرتها رغم تفوقها على الكثير منها؟

بالطبع الفن قادر على تخفيف هذه الصدمات، ولكن هل أحبت سناء الفن وأخلصت له كما رأينا وبحسب تفسيرنا لأنها وجدت به ضالتها، ولكي تخلق عالمًا أفضل غير الذي حرمت منه؟! مادة درامية غنية وثرية بالتفاصيل والحكايات من الطفولة حتى بعد الوفاة، استطاعت هذه السيدة تحويلها إلى قصة نجاح مبهرة ومشرفة بعزم وإصرار ومثابرة، من طفلة وُلدت عام 1930 ببني مزار محافظة المنيا بأقصى صعيد مصر، تنتقل للقاهرة في سن التاسعة من عمرها لتواجه مصيرها بمفردها بمدرسة داخلية “المير دي ديو” وتسدد أسرتها كامل مصاريفها حتى تكمل مرحلة الثانوية وتتركها وتختفي، إلى ترك جثمانها ثلاثة أيام بدون دفن لعدم ظهور أي فرد من عائلتها، وما بينهم من رحلة شاهدت العديد من النجاحات والإنجازات والإخفاقات أيضًا. ومع كل رحلة بحثنا هذه لم نجد إجابة على تساؤلنا حول واقعة ترك أهلها لها بدون معين أو سند تواجه قسوة الحياة في سن مبكرة.. 

حسب رواية الكاتب الراحل “لويس جريس” زوج الفنانة سناء جميل أن “يوسف عطا الله” والد ثريا -وهو الاسم الحقيقي لسناء- كان يعمل بالمحاماة والأم خريجة إحدى الجامعات المرموقة ويظن أنها -أي الأم- أكلمت دراستها بالقاهرة وليس بالمنيا، وإن كنت لا أميل إلى تصديق هذه الرواية حيث إن أقباط الصعيد في هذه الفترة كانوا يهتمون كثيرًا بالتعليم ولم تكن لديهم تلك الأفكار الموجودة الآن وهناك نماذج عدة لفتيات أكملن دراستهن بمباركة الأهل، فمن المحتمل أن تكون الأم أكلمت دراستها هناك أيضًا كما الأب، فما الذي يجعل أشخاصًا بهذه الخلفية العلمية يتأخذون قرارًا مثل هذا؟ وهذا القرار لم ينفذ على سناء فقط بل على أخيها أيضًا والذي تركته الأسرة مع “شقيقة الأم” بحي غمرة بالقاهرة! ويرى الأستاذ لويس السبب الوحيد هو أن هناك خطرًا ما كان يواجه تلك العائلة فقرروا حماية الأبناء، لكن ما هو هذا الخطر؟ لا نعلم حتى الآن!

 بعد المرحلة الثانوية تركت سناء المدرسة الداخلية وكان عليها البحث عن مأوى آخر للمعيشة فقررت البقاء عند تلك الخالة مع أخيها -الذي لم يذكر اسمه حتى وكان ذكره سريعًا في رواية مؤلمة- التحقت بالمعهد دون أن تخبر أحدًا لتبدأ مرحلة جديدة ومختلفة في حياتها، وبعد مرور وقت قصير علم أخوها وخالتها بالسر، فلطمها أخوها تلك اللطمة التي أفقدتها “طبلة الأذن” اليمنى وتسببت في فقدها السمع؛ وليس كما يشاع أن فقدان السمع كان بسبب لطم “عمر الشريف” لها ضمن أحداث فيلم “بداية ونهاية”، وقرر الأخ طردها من المنزل ليلة حريق القاهرة في 1952، فتوجهت لمنزل الفنان “سعيد أبو بكر” أستاذها بالمعهد.

جلست مع أبو بكر وزوجته لفترة، ليتدخل هنا أستاذها الأول مؤسس وعميد معهد التمثيل “زكي طليمات” والذي آمن بها وبموهبتها ومنحها اسمًا جديدًا كمن أراد يخلصها من آثار الماضي العنيف فأطلق عليها “سناء جميل”، وألحقها ببيت الطالبات بمنطقة وسط البلد، كما أصر على تعليم سناء للغة العربية بشكل جيد حيث أنها لم تكن ملمة بشكل كافٍ بها لتأثرها باللغة الفرنسية التي كانت أساس دراستها بالمدرسة الداخلية.      

والملفت للنظر تشابه الأقدار في حياتهما؛ أن يتوافق يوم وفاة الأستاذ وتلميذته في الثاني عشر من ديسمبر حتى تاريخ الميلاد متقارب بشكل كبير حيث يفصل بين يوم ميلاد سناء وزكي يومان فقط مع فارق السنوات بالطبع، والاثنان أيضًا طُردا من بيت الأسرة بسبب رغبتهما الالتحاق بمجال الفن، ولربما يكون السبب الأخير هو الذي دفعه أن يشملها بمزيد من الدعم والرعاية دون غيرها.

ومن بيت الطالبات لشقة “بأرض شريف” وبجانب دراسة المعهد وعمل المسرح عملت بمحل يقوم بتطريز وزخرفة المفروشات وتعلمت الخياطة أيضًا، وفي واقعة فريدة ومثيرة تجد في بيت الكاتب الكبير “إحسان عبد القدوس” بعد لمعان اسمها وأصبحت الفنانة الكبيرة سناء جميل بعضًا من تلك المفارش التي صنعتها وبدون خجل حكت عن تفاصيل عمل المفرش, وبكل فخر ظلت تحكي عن الوظائف التي عملت بها قبل الشهرة.

قرر المحاور “مفيد فوزي” في أوائل الثمانينيات عمل حلقات مطولة عن سناء جميل باسم سيدة الإحساس لم تتطرق سناء لأكثر من ذلك عن تلك المرحلة حلقات بمثابة الشكوى من قبل أن تكون للحكي والتأريخ، وظلت التساؤلات معلقة وعلامات الاستفهام كثيرة وجزء مفقود من الحكاية لم تعره سناء أهمية، وكأنها قررت أن تكون صاحبة ذاكرة انتقائية لم تعد تتذكر أو تهتم بتلك الحوادث التي وقعت بدون مبرر وتلك الأسئلة المعقدة بدون إجابات تتذكر فقط ما تريد، حتى أن سبب ترك أسرتها لها لم يعد يشغل بالها.. و

جدت بعضًا من عائلتها بعد أن تجاوز بها العمر، وأكدت أن القطيعة ما زالت مستمرة ممن ظل بالصعيد وحتى الذين جاءوا إلى القاهرة، لمسنا ذلك بأنفسنا أثناء عمل الفيلم عندما قمنا بإبلاغ صحفي مقيم ببني مزار ولأجل الحظ هو جار لما تبقى من عائلة سناء، وعرض الأمر عليهم ورفضوا بشدة حتى مجرد ذكر اسمها! فلا السنوات محت تلك القطيعة غير المبررة ولا ظهور أجيال جديدة من العائلة تسامحت مع فكرة أن تكون واحدة جزءًا منهم تمردت على أوضاعهم وعملت بمهنة لا تناسب قوانينهم الخاصة إذا كان ذلك هو السبب الحقيقي بالفعل لتلك القطيعة! هل فعلت سناء ما يشين هذه العائلة بعملها للفن لدرجة أن يتبرؤوا حتى من وجودها، ولم يحضروا جنازتها بعد علموا بالوفاة وترك الجثمان ثلاثة أيام لربما يظهر من عائلتها مَن يحب أن يلقي عليها النظرة الأخيرة؟ تضع سناء علامة استفهام أخرى بحوارها مع الناقدة “إيريس نظمي” في مجلة المصور برواية غريبة وتحكي فيها عن مشاهدة أخيها وسط الحضور في إحدى المسرحيات أثناء تأديتها للتحية في نهاية العرض، وإن كنت أعتقد أن سناء لم ترَ أخاها، وربما تكون “باريدوليا” كما يطلق عليها علم النفس! الخذلان لم يأتِ من الأهل فحسب بل كان من بعض الأصدقاء أيضًا، ارتبطت سناء بإحدى الفنانات ارتباطًا أخويًّا وصداقة قوية الأوصال وكانت دائمة الحديث عن تلك العلاقة التي كانت مفتقدة وجودها طوال حياتها وبعد سنوات من هذه الصداقة قررت هذه الفنانة قطع الوصال مع سناء بعد حجابها واعتزالها الفن في أوائل التسعينيات، وكان المبرر الذي قيل لنا من قبل الأستاذ لويس جريس أن هذا تم بإذعان من أحد الشيوخ لعدم وجوب صداقة مسيحية! الأمر الذي ترك أثره السيئ بنفس سناء وظلت مكتئبة فترة طويلة تجددت فيها مشاعر الفراق والخذلان مرة أخرى. 

فلم تكن ضربة قوية لسناء فقط بل كانت لطمة على وجه المجتمع بأكمله ومرحلة تحول خطير ومخيف، موجة من التشدد والعنف دخلت فيها البلد لم تكن على البال أو الخاطر واستمرت كل هذه التجارب القاسية المتخيلة وغير المتخيلة تصنع عادة شخصيات مشوهة نفسيًّا، لكن سناء اختارت التحدي وعكست التجارب المؤلمة قصة كفاح ونجاح إلى أن أصبحت مثالًا خاليًا من التشوهات النفسية، أعتقد أن كل هذه التجارب أفادت سناء مهنيًّا قبل أن تكون لها فائدتها الإنسانية، فصنعت منها تلك الشخصية الصادقة التي تجيد لعب كل الأدوار بكل هذا الصدق والشغف، صنعت منها تلك المرأة قوية الإرادة والأهم تلك الثقة التي لا ينافسها فيها أحد، سيدة متصالحة أيضًا مع أشياء ترفضها العديد من النساء خاصة العاملات بالتمثيل مثل ذكرها دائمًا لعمرها الحقيقي بدون خجل أو إخفاء: سألها “مفيد فوزي” فأجابت بدون تردد فأعجب بشجاعتها التى لم ترَها شجاعة على الإطلاق لكن فلسفة وخبرة حياتية أخرى فقالت له: (لا مش شجاعة ده عمري، دي أنا، اللي بيطلعي ده -وهي تشير لتجاعيد وجهها- بتاعي أنا، أنا اللي عملته ليه أنكره؟ ليه أخبيه؟! لحساب مين الست تغير عمرها؟ لحساب مين تنكر سنين هي عاشتها؟ فيه إيه أعز من حياة الإنسان؟ فيه إيه أعز من السنين اللي هو عاشها؟ مافيش أكيد، ليه تنكرهم ليه تخبيهم؟).

التجارب وحدها هي ما صنع ذلك الوعي الحقيقي، التحقق لم يكن من فراغ، أدارت موهبتها بنجاح، حرصت أن يكون حولها طوال الوقت أشخاص تستفيد من وجودهم على المستوى المهني وتنمية وعيها وإدراكها، أدركت قيمة المحيطين، فكان من أصدقائها: حسن فؤاد وجمال كامل وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وتوفيق الحكيم ومفيد فوزي وصلاح جاهين وآخرين .. وحسب رواية أستاذ “مفيد فوزي” فإنها كانت تلتقي بهذه المجموعة بشكل مستمر تنصت جيدًا لهم لا لكونها أقل من الحوار،  لكن لأنها تعي وتردد دائمًا جملة “أنا بتعلم منهم”.

لم تصنع سناء اسمها من فراغ أدركت أن الموهبة بمفردها لا تصنع فنانًا جيدًا، ولذلك اهتمت بتثقيف ذاتها، وجدنا حوارًا لها مع مذيع يمني قال لها: (مدام سناء صديقاتك المقربات سميحة أيوب وملك الجمل ونعيمة وصفي وزهرة العُلا ممكن المنافسة في العمل تؤثر على الصداقة؟! قالتله بالعكس اقترابنا من بعضنا بيخلينا ننجح يعني لما واحدة فينا تعمل دور حلو التانية تغير منها فتبقى عايزة تعمل دور أحلى، لما واحدة تقرأ رواية حلوة ولا قصيدة فيها مشاعر أو تتفرج على لوحة ده كله يأثر فيها مع التجارب ده اللي بيعمل المخزون وده مفيد لينا كلنا..) الفنانة سميحة أيوب قالت لنا: (أنا كنت بحب أتفرج على سناء وهي بتمثل وكنا نقعد نتكلم وحوارنا كله عن المسرح وعن الشغل وكنا نقعد نتناقش ونحضر شغلنا سوا وكنا بنستفاد من بعض).

ربما ذلك هو السبب أن سناء لم يكن لديها علاقات كبيرة وواسعة مع النقاد والصحفيين، لأنها كانت حريصة على معرفة أشخاص حقيقيين تساعدها تكمل نجاحها بدون مجاملات أو جوقة تصاحبها بالكذب والنفاق.

بداخلها كل ذلك الجمال القادر على تخطى كل العجز والظروف القاهرة، حتى أنها استطاعت تغير الأفكار الجاهزة المعلبة عن شكل الفنانة وقدمت نموذج ومقياس جديد يضاف إلى مقاييس عمل ونجاح “المرأة الممثلة/ الفنانة” من الجمال الفائق إلى الجمال المحدود وغيرت نظريات معلبة لم تكن فنانة أخرى قادرة على العبث بها.

نعم لم تكن سناء نجمة شباك أو نجمة أفيش كنجمات ذلك الوقت، لكن الموهبة والصدق جعلا المقارنة بينها وبين ممثلات جيلها غير مقبولة، حتى أن اقتران اسم سميحة أيوب بأسم سناء أرى فيه ظلمًا لها، صنعت كم وكيف دون غيرها، تتذكر لها العديد والكثير من الأعمال بمجرد ذكر اسمها يصعب عليك تذكرهم لفنانة أخرى بما فيهن سميحة أبوب نفسها.

حتى إننا نتفق جميعًا أن فيلم “بداية ونهاية” والذي كان معروضًا على الفنانة “فاتن حمامة” قبل سناء من الممكن أن تقوم به فنانة أخري وتصنعه بحرفية وصدق ومشاعر حقيقة كما فعلته سناء، رفضت فاتن حمامة الدور لتترك لدى الجمهور تلك الصورة الذهنية التي صنعتها وهي الالتزام، وما تمر به نفيسة في أحداث الفيلم يخدش هذه الصورة الذهنية تركت العمل فكانت انطلاقة سناء جميل الحقيقة والتي لعبت الصدفة فيها دور البطولة، لتظهر نفيسة كما رأينا، لذلك كانت المقارنات غير جائزة. لما لسناء من موهبة حقيقية قوامها الصدق وذلك صنع الفارق بينها وبين الأخريات، وجدنا لسناء جميل محاضرة في الفترة التي كانت تدرس بها في معهد الفنون المسرحية لخصت مشوارها الفني الطويل بجملة: “وعايزة أقولكم اكتشفت بِعد عمري ده كله تصوروا إن الصدق دا أسهل طريقة في الحياة إنك تصل لقلوب النَّاس …” والحقيقة أن السر يكمن في الصدق هذا ما جعلها تنجح في أي دور تقوم به فلاحة، صعيدية، معلمة، هانم، فقيرة، غنية، لا بعوج الفم ورفع الحاجب قدمت دور المرأة الشعبية ولا بالكلام من الأسنان قدمت الهانم، بالصدق وحده ..وبنفس الصفة لمحت مجموعة مواهب وساندتهم وراهنت عليهم منهم: ممدوح عبد العليم، سعاد نصر، شيريهان، ليلى علوي، سلوى خطاب وآخرين .. ولم أرَ لسناء تصريحًا واحدًا تمجد فيه في نفسها على الرغم من وجود أمارة لذلك، كانت ناقدة قاسية على ذاتها وعندما قدمت شيئًا أحست أنه غير لائق اعتذرت للجمهور فورًا ولنفسها من قبله وهو عملها بالإعلانات ووصفت التجربة “بالعيب الذي لن يتكرر”.

فنانة في مكانتها كان من الممكن أن تقول بكل سهولة رصيدي يسمح بخطأ صغير أو تصمت تمامًا، لكن وصفته بالعيب لأن لسناء ذلك الوعي الذي يجعلها ترى أن “غلطة الشاطر بألف”، مكنها وعيها هذا من الحفاظ على مستواها ومكانتها طول العمر، كان لديها ما يسمى بإدارة الموهبة إدارة ناجحة، فكانت رحلة لم تكن سهلة أبدًا… فنانة درس مهم ونموذج أهم لكل الأجيال.. شكرًا سناء جميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *