fbpx

الأيام الحلوة فقط فصل “في محبة سعيد الكفراوي”

سعيد الكفراوي

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

جمعتني بـ سعيد الكفراوي رحلات وجلسات بطول العمر، كانت أحلى ما فيه، وهذه بعض مما سيحفل به الكتاب.

 في السعودية عام 1978- 1979 حين كنت أعمل في تبوك، كنت أراسل مجلة الفيصل ومجلة اليمامة وأنشر فيهما. في مجلة الفيصل كنت عادة أكتب عروضًا لكتب أجنبية. كنت فعلت ذلك قبل أن أسافر وواصلت فعله. في مجلة اليمامة وكانت أسبوعية كنت أكتب صفحتها الأخيرة بعنوان أسئلة ثقافية تحتاج إلى إجابات. بعد أول شهر سافرت إلى الرياض لأتقاضي مكافأتي. كان سعيد يعمل محاسبًا بالرياض ومعه زوجته وابنه البكر حوريس طفلًا. استضافني سعيد في بيته أول مرة، وأذكر أني وصلت قبل الموعد فجلست علي الرصيف حتي يأتي؛ لأنَّ أحدًا لم يكن بالبيت، وخرجتُ من هذه الجلسة بقصة قصيرة عنوانها “الغريبان”، عن غريبين في الرياض لا يصلان إلى بيتيهما، ونُشرت فيما بعد في مجموعتي (الشجرة والعصافير)؛  لأن شخصًا مصريًّا مرّ بي وسألني عن عنوان ما، فقلت له لا أعرف، وشعرتُ به حائرًا للغاية. كتبت القصة عن هذا الشعور بالتيه. بعد ذلك كان الناقد والمترجم فتحي العشري ومعه الشاعر مجدي نجيب يعملان في مجلة الفيصل وكان بها مكان ينامان فيه ويتسع لغيرهما، فكانا يستضيفاني حين أسافر إلى الرياض وأبيت معهما في المجلة. طبعًا هذا لم يستمر إلا أشهرًا قليلة، ثلاثة أو أربعة الأشهر الأخيرة؛ لأني عدت ولم يكتمل العام، ولم أستمر في السعودية.

جمعت بيننا أكثر من سفرية، وسأختار شيئًا من المغرب هنا. في كل مرة لم نفترق عن بعضنا أبدًا. تقريبًا مشينا وحدنا دائمًا نزور ما نريد من أماكن معًا. في طريقنا يومًا إلى مسجد الحسن الثاني –ستجد الرحلة مكتوبًا عنها في كتابي (أين تذهب طيور المحيط ؟)– قال لي كلمة لا أنساها ونحن نشاهد جمال المباني والأشجار في الدار البيضاء، عن كيف كان الملوك أكثر قيمة من الرؤساء، حتى أني جعلت عنوان المقال الذي كتبته عن الرحلة (لماذا كسب الملوك وخسر الرؤساء؟)، كنا نمشي نضحك على تعريب المحلات مثل: (مسمكة) لمحل السمك و(مقشدة أو ملبنة) لمحل اللبن، ونتحدث عن التعريب في الدول الفرانكوفونية التي عانت من الاحتلال الفرنسي، لكن كان إعجابنا بالحفاظ على تراث تلك الفترة من مبانٍ وأشجار. في إحدى المرات ونحن نمشي على شاطئ المحيط وحدنا، وجدنا سيارة ملاكي ينظر منها شخص يسألنا: “مصريين؟”، قلنا: “نعم”. نزل من السيارة، وقال: “أنا تابع للمؤتمر الثقافي وأبحث عن إبراهيم عبد المجيد وسعيد الكفراوي، وعرفتكما والله دون أن أرى صورة لكما من قبل، باين عليكم الغُلب”! ضحكنا مندهشين، وكان هناك اجتماع هام يجب أن نحضره فركبنا معه. لكن ضحكنا مرة أخرى بعدها بيوم ونحن ننتظر الحافلة بعد جولة مشيناها معا، إذ وجدنا مغربيًّا شابًّا غارقًا في السكر يسألنا: “من مصر؟”، قلنا: “أيوا من مصر”، قال: “صدام حسين” ورفع أصبعه الإبهام تحية. قال له سعيد: “أيوا هوَّ الريس عندنا من زمان”. وجاءت الحافلة فركبناها وركب الشاب السكران معنا يضحك. في كل جلسة سهر يحب سعيد أن يطلق النكات والحكايات. الحكاية التي يقولها كلما ذهبنا إلى المغرب هي حكاية جمال عبد الناصر حين زار المغرب أيام الملك محمد الخامس وركب معه سيارة مكشوفة في طريقهما إلى القصر الملكي أو مكان اجتماعهما والحشود جبارة على الناحيتين تحييهما. أي شخص سيصدق حكاية الحشود هذه، فهكذا كانت في أي مكان عربي يسافر إليه عبد الناصر وخاصة سوريا. بينما الحشود هادرة بالهتاف واللافتات والأعلام تقدم شخص يقطع الطريق ليصل إلى عربة الملك والرئيس. منعه البوليس لكن الرجل كان يصرُّ، وتقترب العربة، فأشار عبد الناصر للبوليس أن يتركه يتقدم إليهما. تقدم إليه الرجل وسأله: “إنت مصري؟”، فقال: “نعم”، فسأله: “تعرف إسماعيل ياسين؟”، قال: “نعم”، فقال له الرجل: “ابقى سلملي عليه”. النكتة تضحكنا في كل مرة، ورغم عشرات المرات التي قالها فيها لا تفقد بريقها. طبعًا مغزاها الواضح أن الفنانين أكثر شهرة من السياسيين، وفي المغرب بالذات تجد أن أفضل طريقة يحدثك بها أحد الناس من غير الكتَّاب والمثقفين حين يسألك عن فريد شوقي أو عبد الحليم حافظ أو شادية أو غيرهم من الفنانين، وطبعًا لاعبي الكرة وبالذات أبو تريكة. هذا حقيقي.

سعيد يعرف أني رغم ضخامة جسمي وطولي عاطفي جدًّا، ويمكن أن تسبقني دموعي في بعض المواقف. ذهبت معه يومًا إلى أحد الأسواق نشتري شرائط تسجيل أغانٍ مغربية. فهمس للبائع أن يضع شريطًا لنعيمة سميح تغني (ياك جرحي)، كان يعرف أن هذه الأغنية تسرق مني دموعي، وأنا حتى الآن لم أعرف لماذا يحدث لي ذلك مع هذه الأغنية. تسبقني دموعي مع أغنية أخرى لفايزة أحمد هي (يا لولي يا غالي). المهم قام الرجل بوضع شريط أغنية نعيمة سميح، فخرجت على الفور من المحل أمسح دموعي، وأحاول أن أتماسك وسعيد يشير لي ويضحك. خرجت من المحل أمسح دموعي، وخرج سعيد يضحك ومعه الشريط، وقال لي: “اشتريته لك”، ومشينا.

في مراكش ذات مرة مشيت مع سعيد في الأسواق، وكانت جولة جميلة جدًّا. كنا نريد شراء بعض الملابس، وكلما قال البائع سعرًا، قال له سعيد سعرًا أقل بكثير، حتى سألنا أحد الباعة عن عملنا في مصر. قلت له أنا مدير عام وسعيد لا يعمل. قال لي: “ما هو راتبك؟”، قلت له: “350 جنيه”. كان كذلك ذلك الوقت في منتصف التسعينيات تقريبًا، وخرجت إلى المعاش فيما بعد وراتبي 650 جنيهًا عام 2006. ما علينا.. سألني الرجل: “يعني كم دولار؟”، قلت: “له 150 دولار”. راح الرجل يهتف: “مائة وخمسين دولار.. مائة وخمسين دولار.. مدير عام بمائة وخمسين دولار. مصري بمائة وخمسين دولار..”، والباعة والناس تضحك، وقال لنا: “خذوا ما تريدون بأي سعر والله”. وقفنا نضحك. المدهش في هذه الجولة أننا ونحن نمشي وحدنا قبل أن ندخل الأسواق تقدم منا شاب مغربي وسيم وسألنا: “مصريين؟”، قلنا: “نعم”. قال: “طيب أنا عايز أمثل في السينما. ممكن تساعدوني؟”. وراح يقوم بحركات على الأرض. شقلباظات. ويقف على يديه، وهكذا. قلنا له: “نساعدك إن شاء الله” ونحن نضحك. راح يسألنا عن الممثلين وكيف أحوالهم، كأننا نعرفهم، وقال لنا: “لن أترككم وحدكما في السوق”. مشى معنا يرشدنا إلى الأماكن التي نسأله عنها، وعن الأشياء التي يمكن أن نشتريها، وبعد الجولة جلسنا في المقهى معه وعزمنا على الشاي المغربي، وتركناه. في اليوم التالي، ذهبت إلى هذا المقهى، فوجدت الشاب جالسًا. صافحته. سألني: “هل من جولة أخرى؟”، قلت: “لا”. كنت وحدي وسألته ماذا يعمل، فقال: “مرشد سياحي”. اندهشت جدًّا أنه لم يخبرنا بذلك، وسألته: “لماذا لم تخبرنا حقًّا حتى نعطيك شيئًا من المال”، قال: “المال ليس مهمًّا والله، أنتم ضيوفنا ونحن نحب مصر”. كنت متأثرًا جدًّا لأجله، وأعطيته عشرين دولارًا بعد إلحاح فقبلها في النهاية، وتركته متأثرًا داعيًا له بالخير، ولما قلت لسعيد، قال: “هذا الشاب قصة ما رأيك أن نكتبها معًا”. قررنا ذلك، لكن لم نفعلها للأسف.

في سفرة أخرى، كانت معي فيها زوجتي تيسير، وكان مع سعيد ابنه الفنان الجميل عمرو الكفراوي . كالعادة لم نكفَّ عن الضحك. كالعادة تقفز حكاية إسماعيل ياسين مع جمال عبد الناصر، يُضاف إليها حكاياتنا في السفرات السابقة. قابلنا الكاتب المغربي عبد الكريم الجويطي، وكان من قبل قد عرض علينا أن نزور بلدته بني ملال. سألني سعيد بعد أن تركنا: “إيه بن ملال دي! يا عم خلينا في الدار البيضا ومراكش والرباط وفاس ومكناس”. لكني هذه المرة شعرت بالإحراج أمام الجويطي. وافقت. كنا سنسافر في اليوم التالي في المساء إلى القاهرة، ومن ثم كان السفر متوقعًا أن يكون مرهقًا، لكنا ذهبنا هذه المرة. عبد الكريم الجويطي أخذنا في سيارته في المساء حتى يكون لدينا وقت في اليوم التالي للفُرجة على بني ملال، ثم العودة علي موعد الطائرة للسفر إلى القاهرة . قال لنا الجويطي إن المسافة ليست بعيدة ربما ساعتين أو أكثر قليلًا. وافق سعيد لأني وافقت وقال لي: “أنت مجنون لكن نروح علشان نخلص من الدعوة دي”. المدهش أن الطريق طال جدًّا حتي وصلنا بعد منتصف الليل. كنا لا نستطيع العودة من منتصف الطريق . كنا في حرج كبير. أخذنا عبد الكريم قبل أن ننزل في الفندق لنستريح إلى منطقة خضراء بها شلال مياه صغير تبدو متنزهًا، وكان هناك عروسة وعريس وغناء حولهما، وقال لنا: “غدًا نشاهد أماكن أخرى جميلة “. في طريقنا داخل المدينة التي ليست كبيرة كنا نرى كثيرًا من البضائع المهملة أمام المحلات. أخشاب وحديد وأشياء تذكرني بمخازن الخردة في مصر، وسعيد ينظر لي ويقول: “دي بني ملال اللي ضيعنا الليلة علشانها”. أخذنا عبد الكريم بعد الفرح إلى مطعم وكان ينتظرنا طعام فاخر وغزير، وكان لأننا مصريون كل الطعام مشويات وكفتة. لم يكن بينه طعام مغربي رغم أننا نحب الطاجين والكسكس. المهم انتهينا وأخذنا إلى الفندق، ودخلت الغرفة التي لي ولزوجتي. ما كدنا نجلس وما كادت زوجتي تفتح الحقيبة الصغيرة التي بها ملابس النوم، حتي هلَّ سعيد علينا في الغرفة فاتحًا الباب دون حتى أن يدقه، وقال: “أنت حتعمل إيه؟ حتقلع وتلبس وتنام؟ يا للا بينا خلينا نرجع الطيارة حتروح مننا”. ضحكنا ولم نندهش. أغلقت زوجتي الحقيبة الصغيرة، وخرجنا، ونزلنا إلى بهو الفندق حيث عبد الكريم لا يزال ينتظر، وقال له سعيد: “سنعود الآن. خلاص شفنا بني ملال. حلوة جدًّا”. ارتبك عبد الكريم الجاويطي، ولم يتكلم، وأخذنا إلى موقف باصات وأخذنا طريقنا إلى العودة نضحك ويغالبنا النوم. طلع علينا النهار في الطريق ووصلنا حوالي العاشرة صباحًا إلى الدار البيضاء. ارتحنا وقتًا قليلًا في غرفنا ثم أخذنا طريق العودة. في المطار فتاة مغربية عند مدخل الطائرة تنظر في التذاكر، سألت زوجتي تيسير سمك: “عجبتك المغرب؟”، قالت زوجتي: “جدًّا وزرنا كمان بني ملال”. ابتسمت الفتاة وقالت: “إيه بني ملال دي؟! دي زي بولاق عندكم”. سكتت زوجتي باسمة ودخلنا الطائرة وهي تقول لي حتي المغربية: “مش عاجباها بني ملال”. الحقيقة أني سافرت المغرب مرة أخرى، ولم يكن معي سعيد، وكانت هناك حفاوة بالكاتبة ربيعة ريحان في مركز ثقافي في بني ملال. سافرت على مهل، وأمضيت بها يومين جميلين، فهي بلد صغير، لكن الطبيعة حولها فاتنة وحدائقها رائعة وتستحق الفرجة، لكن ليس بالسرعة التي ذهبنا بها مع عبد الكريم الجاويطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *