fbpx

السرقات الأدبية بجاحة أخلاقية

بقلم: د.مختار سعد شحاتة

يقولون أنه من أمن العقاب، أساء الأدب. إذن أمن المحاسبة بمثابة تحفيز على السوء، بل إن عدم الملاحقة القانونية في بعض الحالات، تكون حجابًا للمرء المتعدي يحجب عنه العقاب، ويجعله آمنًا في ما فعل من سوء.

بجاحة السارق:

أعرف أن الأمر مكررًا لمرات ومرات، إذ أنه يكاد لا يمر يوم دون أن نسمع عن واحدة من تلك السرقات الأدبية، والتي يعلن عنها أصحابها الذين نُحلت نصوصهم، وتم سرقتها دون رادع أو وازع من تأنيب ضمير، دون أن يُطرف جفن السارق المنتحل، بل يصل الأمر إلى حدّ البجاحة وسوء الأدب، وربما لا ينتبه أحد إلى تلك السرقة وتظل طي الكتمان، ولا يكشفها غير صدف بحتة، فنحن لا نفتش العالم كله عما كتبناه أو نشرناه، وربما تتم السرقة وتكون بمأمن، ليس فقط من العقاب، ولكن بمأمن من اطلاع صاحب النص الأصلي على السرقة في كثير من الأحيان.

أتذكر في سنواتي الأولى حين كنتُ طفلا عن حكايات السرقات الأدبية، وحكاية القصيدة اليتيمة أو كما تُسمى، والتي من أبياتها القول المشهور، (… ضدان لما استجمعا حسُنا، والضدّ يُظهر حُسنه الضدُّ)، وبدون إعادة الحكاية، أقفز إلى العقاب الذي قررته الأميرة بطلة الحكاية، حين اكتشفت أن خاطبها سرق القصيدة من آخر وقال له (أنا أولى بها منك يا ابن الفاعلة) ثم قتله، كان عقابها السارق (اقتلوه فقد قتل بعلي). إن الأميرة رأت أن جرم السارق يستحق القتل، بعيدًا عن قتله قصاصًا، والفائدة من الحكاية، أنه في ذاك العصر لم يدون تاريخ الأدب أي سرقة أدبية، خوفًا من العقاب القاسي، الذي ينال سارق الأدب.

السرقات الأدبية في عصر الرقمنة:

أندهش كلما تذكرت تلك الرواية، حتى لو تمّ التشكيك في صحتها، لكن أشعر براحة ما، حين أعرف أنه تمّ عقاب المنتحلين لجهد وعقل وفكر غيرهم، خاصة حين يتبجح هؤلاء السابقون.

يبدو أن الخطيئة تلك باتت سمة في عصرنا الرقمي، إذ يمكن لأي شخص أن يقوم ببساطة بنسخ ولصق نص شخص آخر، ونشره في فضاء الإنترنت دون اهتمام بحقوق الملكية الفكرية، لكن الحقيقة نفس الفضاء الإلكتروني، يكشف لنا تلك السرقات بسهولة وعبر محركات البحث.

أذكر قبل سنوات سمعنا عن حكم محكمة مصرية بتغريم المدعو هشام الجخ ومعاقبته لسرقة أدبية، قام بها بدم وضمير باردين، وعجبت أكثر حين يظل الجمهور يحتفي بأمثال المذكور، وهو عجب لا يقل عن عجبي من جرأته على الظهور، وثالثة الأسافى، حين يتم دعوته للبدعة المسماه حفلات الشعر، وهنا لا أريد أن أدخل في رأي حول تلك الحفلات، إلا أنني أظل على دهشتي من الجمهور الذي يستقبله ويتناسى أنه سارق ومنتحل لإبداع غيره، وتلك قضية أخرى ربما لها حديث آخر، فالأمر من وجهة نظري يمثل معرفتنا لشخص يقوم بغسيل أموال مشبوهة وملوثة، ونحن لا ضير نجده في التعامل معه.

سارق طارق الطيب وكذلك موقع العرب اليوم أمنا في سرقاتهم فأساءا الأدب

سرقة أم بجاحة؟:

نشر مؤخرًا الأديب طارق الطيب على صفحته على الفيس بوك كيف تمت سرقة رواية من رواياته الأخيرة، وكيف كان السارق يمتلك جرأة نشر المسروق على صفحات الفضاء الإلكتروني، بل ويروج له، والأمر بشكل شخصي حدث معي مؤخرًا حين اكتشفت سرقة تحقيقات صحفية ومقالات أدبية قمت بها لصالح جريدة الحياة قبل التوقف، فيقوم موقع العرب اليوم بسرقة التحقيق الصحفي حول الإيقاعات والأغاني الشعبية في شمال البرازيل، ويعيد نشره مصحوبًا بصور خاصة التقطها بكاميرا خاصة بي، ثم يقوم الموقع بوضع علامته المائية على الصورة كذلك، وهو آمن تمامًا وكأن لا شيء يهز ضميره الصحفي، والسارق يعرف أنه خان أمانات كثيرة بما فعل، حتى أنني قمت بالاتصال برئيس تحرير الموقع والذي علمت أنه كان يعمل بمكتب جريدة الحياة في لبنان قبل التوقف، ليتأكد لي أنه بذاته مصدر السرقة وفاعلها الأول.

يبدو أن سارق طارق الطيب وكذلك موقع العرب اليوم أمنوا في سرقاتهم، فأساءا الأدب، بالشكل الذي يصل حد التبجح، بالإصرار على تلك النصوص المسروقة دون إزالتها أو الاعتذار أو وضع الحقيقة أمام القاريء، في ضرب لأبجديات وأخلاقيات مهنتي النشر والصحافة، وهو ما يدعوني إلى تساؤل لا أملك إجابته، ولكن أمرره إلى نقابة الصحفيين في لبنان والعالم العربي، وإلى اتحاد الناشرين العرب، كيف يسمحون بذلك، ولماذا لا يكون هناك قسم لمثل تلك المراجعات، وحفظ الحق الأدبي لمالك النص الأصلي، واستحداث عقوبة رادعة لسارقي النصوص بدم بارد؟

لم يصلني إلى الآن أي ردّ رسمي من الموقع ولا رئيس تحريره، وأظنه كذلك لن يفعل أي سارق، لأنهم ببساطة أمنوا العقاب، وعلينا أن نتحمل سوء أدبهم كما يبدو.

د. مختار سعد شحاته

جامعة UNEB

سالفادور، البرازيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *