fbpx

د.يحيى موسى في الحظر انقطعت علاقتي بمنبه الهاتف

د.يحيى موسى

بقلم: د.يحيى موسى

أتصور أن حال كثيرين قد انقلب رأسًا على عقب إثر ما جدَّ من شبح تفشي وباء ڤيروس كورونا الحالي، وقد وجدوا أن روتين يومهم قد دخلت فيه عديد من البنود التي لم تكن لهم في حسبان: حظر تجول جبري في ساعات الليل، مكوث بالبيت تحسُّبًا من خطر التقاط الڤيروس من الشارع في ساعات النهار، الاعتماد على إعداد الطعام بالبيت بشكل منتظم، عودة العلاقة بالنشاطات الترفيهية الأسرية، عودة البيت المصري لاستخدام الكلور بوفرة بعد انقطاع لصالح الديتول ومشتقاته، التعرف على طريقة الجراحين في غسل الأيدي واستخدامها بشكل منتظم (لو دخلت أي بيت الآن لظننت أنك في إحدى حلقات مسلسل تشريح جراي الشهير، ولوجدت ست بيت مصرية أصيلة تبدو وكأنها في غرفة تعقيم استعدادا لجراحة خطرة)، وغيرها من البنود التي أعادت شكل البيت الأسري إلى عهد سابق لم يكن يعرف سهرات الكافيه، ولا وجبات الطعام السريعة التي تأتي بخدمة توصيل منزلية.

بالطبع لا تتشابه كل البيوت في هذا التحول، كما أنها لم تتشابه يومًا في أي وقت سابق، فبرغم عموم الأزمة الحالية، إلا إن ظروف كل بيت تختلف عن جيرانه، كما أن درجات حذر الناس في ظل الوضع الحالي في تفاوت واضح، ناهيك عن تفاوت قدراتنا على التأقلم مع هذا الوضع.

أفتح النوافذ والشرفات لضوء صباح خجول يتجرأ دقيقة بعد دقيقة

مثلي مثل كثيرين انقلب يومي رأسًا على عقب، لكن هذه المرة بشكل حرفي: فعلى حين كان يبدأ يومي بالاستيقاظ في الواحدة بعد الظهر في أبكر الأيام، بينما في أيام الإجازات كان يبدأ حول الرابعة عصرا، وجدتني منذ بدأت هذه الظروف الأخيرة وأنا أصحو من النوم مع نداء صلاة الفجر، أفتح النوافذ والشرفات لضوء صباح خجول، يتجرأ دقيقة بعد دقيقة حتى يعم جنبات البيت، أسمع الموسيقى بانتظام، أقرأ يوميًّا بعد طول انقطاع، أعود إلى كتابة الشِّعر بغزارة بعد طول جفاف قريحة، أمارس هواية خبز الحلوى والمعجنات، حتى إنني قد عدت إلى شغفي بالسينما المصرية، والاستمتاع بأفلامها التي تعرضها قنوات التليفزيون المتخصصة.

يمضي يومي بقليل من العمل وكثير من الانشغال بالبيت

يمضي يومي بقليل من العمل وكثير من الانشغال بالبيت، الذي أعيد اكتشافه من جديد: صرت أستطيع أن أحدد الزاوية التي تتسلل بها الشمس إلى داخل الشرفة، وعدد ساعات مكوثها فوق بلاط البيت قبل انحسارها صوب الشارع، صرت أعرف العصافير التي تقف على سلك النافذة صباحا، ومتى تقرر الانسحاب بعيدا، حتى إنني صرت أعرف بعض عادات جيراني من تكرار جلساتي الصباحية في شرفة غرفة النوم: هناك سيدة بها عرج شديد تمر من أمام البيت يوميًّا في تمام الثامنة صباحا، ترتدي كمامة (هذا أمر حديث حتما) وتحمل حقيبة يد سوداء، تمشي بنفس الإيقاع، تلتفت صوب نفس الجهات كل مرة، كأنما توفي نذرا.

هناك جار لي في نفس العمارة يغادر البيت في ذات التوقيت، مؤديا الطقوس نفسها (يلتفت يمنة ويسرة وكأنما يتأكد من أنه غير مراقب، يخرج سِواكًا يلوكه في فمه، يتمتم بشيء ما، لا بد وأنه دعاء الخروج من البيت، ثم يهبط الدرجات القليلة التي تفضي إلى أسفلت الشارع مقدما رجله اليمنى في كل درجة).

تأتي عربة حمل القمامة بعد ذلك بلحظات، يهبط منها صبيان لا يبدو عليهما أي ملمح تفاعل مع العالم المحيط، يعلو وجهيهما وجوم مسطح لا يشي بأي شكل من أشكال التأثر، ينقبان في أكياس القمامة لفرز محتوياتها بالطريقة المطلوبة منهما، يقفان لتأمل عصابة الكلاب البلدي التي تسيطر على شارعنا، ينبحان عليها قليلا إلى أن تزوم الكلاب وتنبح في المقابل، فيشعران بالرضى، ويكملان العمل.

يمضي بي اليوم إلى ما بعد صلاة العشاء بقليل، لأجد ضباب النوم يلف رأسي: لم أنم أبدا في مثل هذا الموعد، والآن صرت أعرف شعور الفلاحين في قريتي التي غادرتها منذ سنوات، حين ينهضون لاستقبال الحياة في ظلمة الفجر، ويودعونها مع بداية غسق الليل.

للاستمتاع بقليل من السهر، صار عليَّ أن أكتشف نوم القيلولة، حيث أخطف ساعتين من بعد صلاة الظهر إلى ما قبل العصر بقليل، أمسي بعدهما قادرًا على الاستمتاع بفيلم في السهرة، ينتهي قبل انتصاف الليل بساعة، لأعود أغط في نوم ساكن، تقطعه ساعة بيولوچية منتظمة لتوقظني مع فجر يوم جديد. لقد انقطعت علاقتي بمنبه الهاتف الجوال، ولم أعد بحاجة إلى ضبطه لإيقاظي. هذا شعور جميل حقًّا.

ما قاله بورخيس ذات يوم: إن الواقع هو الأقل احتمالًا للحدوث!

انقطعت علاقتي أيضا بستارة الـ blackout منذ عدت إلى النوم في عتمة الليل الطبيعية.

لو أنك أخبرتني منذ شهرين أن هذا العالم سيتغير هكذا دفعة واحدة، لاتهمتك بالخبل، أنا من حاولت بشتى الطرق أن أعيد ضبط يومي كي أنام بالليل وأصحو بالنهار دون جدوى، أنا من أعجزني البحث عن سبب جفاف قريحتي الشعرية دون بصيص أمل، أنا من كنت أظن العالم (بشكل واقعي) لن يتغير إلا بتدرج بطيء، وإلى الأسوأ، غير أنه فاجأني بمثل ما قاله بورخيس ذات يوم: إن الواقع هو الأقل احتمالًا للحدوث!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *