fbpx

أدهم العبودي يكتب “في الحظر جددت الوصال”

أدهم العبودي

بقلم: أدهم العبودي

يومي في الحظر مثله كمثل كلّ الأيّام التي قضيتُها وحيدًا أمام شاشة الكمبيوتر وبين محافل الكُتب، قدْ لا يعرف كثيرون قدرتي على عزل نفسي عزلًا تامًّا وكاملًا مِنْ أجل أمورٍ ربّما بدتْ عبثيّةً، منها مثلًا الكتابة، كنتُ إذا حدّثتُ صديقًا عنْ قدرتي هذه سخر منّي واستهزأ، اليوم إنّما يعيش مثلما عِشتُ بإرادتي، غير أنّه يعيشه قسرًا، إنّهم يعيشون العزلة الجبريّة التي عشتُها فيما قبْل مسكونًا بالأحلامِ وشغوفًا بالآتي، عشتُها والأمنيات تُداخلني، عشتُها والطّموحُ يستولي على رأسِي، كيما أكتب كتابةً جديرةً باستنزافِ أيّامي يومًا بعْد يومٍ، كتابةً تليق بانعزالي الاختياريّ، وبينما أكتبُ، الآن، أفكّر: هل خاب ظنّي بالكتابةِ أم أصاب؟ هل كانتْ الكتابةُ جديرةً مثلما ظننتُ؟ هل ضاع عمري في الوهم؟ هل مثلي سوف يُسأل عن عمره فيمَ أفناه؟

المسائلَ تفكّكتْ أمام بصري في مثْل هذه العزلة

لكنّ المسائلَ تفكّكتْ أمام بصري في مثْل هذه العزلة، مسائل كثيرة ومتعدّدة وربّما كانتْ ضبابيّة مشوّشة، بتّ في ضرورةٍ لأنْ أسترشد بمشاعرٍ ما ظننتُ أنّي سأسترشد بها يومًا، بلْ وفي ضرورةٍ أهمّ لأنْ أتيح نفسي بأكبرِ قدرٍ، أعيد اكتشاف نفسي وأعيد تدوير الأفكار المهملة عن “الأسرة”، عُدت لأسرتي هذه متطهّرًا من عزلةٍ قديمةٍ لأعتزل عزلةً مغايرةً، أعتزلها معهم وبينهم، ولهم في نهايةِ المقام، عُدت لأستكشف عواري من جديدٍ، فأغطّيه، وأحاول قدر ما أمكنني أن أُسدِل فضيلةً ما على أخلاقي المُعتادة، أقلّه أمام بصر أولادي، إنّ هذا الأب الذي عاد على غير اختيارٍ يخجل من كثيرٍ ممّا تعوّد أنْ يفعل، لمْ أكترث كيف يراني الأولاد، لمْ أكترث لتهامسهم حول مسارات حياتي خارج مدارهم.

عدتُ؛ فصرتُ أكثر هدوءًا، كأنّي طعنتُ في السنّ، أشدّ حنينًا إلى الذّكريات يوم قرّرتُ مع أمّهم أنْ نقترف الحياةَ معًا، جنبًا إلى جنب، وسكّينًا في ظهر، ونضحك سويًا إذ ظننّا قديمًا أنّ الحياة عادلة، ليست عادلة بالطّبع، إنّنا فقط من نمنحها هذا الوصف، كي يُمكن أن نستكملها ليس أكثر، لو سيطر علينا أنّها ليست عادلة بما يكفي لتغيّرت أمورٌ ما جيز لها أنْ تتغيّر، إنّما –حمدًا لله- أنّنا توهّمنا، أقول لزوجتي: ياه على السّذاجة! فتدكّني وتضحك أكثر.

ضحكةُ زوجتي مثلًا اكتشافٌ مدهش

ضحكةُ زوجتي مثلًا اكتشافٌ مدهش، كيف لمْ أعثر على براءتها مِنْ قبل؟ أين كانتْ هذه الزّوجة فيما أعتزل وحيدًا لأجل أمورٍ قد تبدو عبثيّة؛ كالكتابةِ؟ لماذا لمْ تُرشدني إلى الصّواب وقدْ كان بإمكانها؟ لماذا لمْ تمزّق كلّ ما أتته يداي في لحظةِ تمرّدٍ؟ لا أعرف! لكنّها سلكتْ معي الطّريق، ليتها ما فعلتْ!

في هذه العزلة الجبريّة؛ لم أعد أثرثر أو أسرد تفاصيلي، بلْ أستمع إليهم، أوجاعهم، أفكارهم، تفاصيل حياتِهم بينما اعتكفتُ في عزلتي المُختارة، وجدتني جاهلًا بهم، لستُ أعرف عنهم أكثر ممّا يعرفه عابرٌ في حياتِهم، وقلتُ إنّها فرصةٌ عظيمةٌ لأوطّد ما تراخَى فيما بيننا، استمعتُ لهم، ولنفسِي، وتحسّستُ مواطن الأبوّة بداخلي مرّةً جديدةً، وبدأتُ، يومًا يليه يوم، أعتاد عليهم، أتوحّد وأفكارهم، وصرتُ إذا جاء اللّيل آنست لهم، وتونّستُ بهم، والتحفتهم بين ذراعيّ، باتتْ مثْل هذه الأحاسيس الوليدة مُكتشَفةً، ولو بعْد حينٍ، هؤلاء؛ أطفالي، جميعهم، لمْ أكن أعرف عنهم شيئًا!

أنا الأبُ الذي ظنّ –لغروره- أنّه كافٍ تمامًا لهم، على مقاسِهم، بكلّ علّاته، بكلّ شططه وجنونه، وعليهم أن يرتّقوا أنفسهم بما أتيح لهم منذ هذا الأب، كنتُ مُخطئًا، كان ينبغي أن أرتّق سوءاتي بهم، ولمْ أفعل، أمنحهم ما تبقّى من وقتي هبةً وصلفًا، ولا أعرف أنّهم يحتاجون إلى كلّ وقتي.

الحاجةُ هي جوهر العزلة، أقصد الحاجةَ المُكتَشفة، الحاجة التي لا يُمكن استشعارها إلّا بالصّفو والزّهد، وإذا زهدنا في الحياة هناك في الخارج فإنّما فعلنا مجبورين عن غير اختيارٍ ولا قناعة، لكنّنا في نهايةِ الأمر زهدنا، ومن هنا يجوز أنْ نتحدّث عن الحاجات المتأخّرة، ضحكة زوجتي كنتُ في حاجةٍ إليها، نظرة أولادي وهم مطمئنّون أنّي لن أغادرهم لأعود بعْد أيّامٍ ورأسي تعترك بأفكارِ الكتابة، كلّ الحاجات المتأخّرة كانتْ حاجاتي، أمّا حاجاتهم فلمْ تكن متأخّرة أبدًا، كانتْ بديهية ولكنّي لمْ أكن أرى!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *