fbpx

أحمد عايد يكتب: المتمرِّدون على العُزلة

أحمد عايد

قبل ألف عامٍ أرسل إلينا الشَّريف الرَّضي –ت 406 هـ- بيتَ شِعرٍ، يُنبئُ عن لسان حال الجميع في فترة الحجر الصحي المفروضة علينا هذه الأيام بسبب الكورونا:

واعلمْ بأنَّ البيتَ إِنْ أوطنتَهُ = سجنٌ، وطولَ الهمِّ غلٌّ يجرحُ

***

بين ليلةٍ وضُحاها، وفي لحظةٍ، صرنا جميعًا مسجونين في بيوتنا، وبعدما كانت الشوارع مكتظةً والبيوت فارغةً، صارت الشوارع فارغةً والبيوت مكتظةً. وبعد أيَّامٍ عديدةٍ، بدأنا جميعًا السأمَ من البيوت.. البيوت التي كنا نتمنى طول أيام عملنا أن نلتفتَ إليها، البيوت التي كانت دفئًا وهدوءًا وسكونًا وراحةً.. صارت سجنًا، وصار الجلوس فيها مملًّا ومضجرًا، ونعدُّ الأيام والليالي لنتحرر منها.

***

أتفكَّرُ في ثلاثة أشخاص، لم يحتملوا العزلة. أرتبهم حسب الزمن.

الشيطان: كانت الأرض قبل خلق الإنسان معمورةً بالجن. كان الشيطان واحدًا منهم. يجتهد في عبادة الله. أعلى اللهُ مكانتَهُ، فجعله بين الملائكة لما رآه لا يتلوَّث بالآثام. الشيطان الآن بين الملائكة، ينافسهم في طاعة الله. لكنَّه في وسط كل هذا، يتذكَّرُ دائمًا أنه ليس منهم. هذه عزلة قاسية. قاسية أكثر مما تتخيل. في سنوات دراستي في الثانوية العامة التحقتُ بدرس خاص في مادة اللغة الفرنسية –وهي أكثر مادة أكرهها-، لم يكن كرهي للمادة هو مشكلتي، بل مشكلتي الحقيقية أنَّ المجموعة كلها –والتي كانت تتجاوز عشرة أفراد- كانوا من أوائل الطلبة في مدارسهم.. كانت مجموعةً انتقاها المعلِّم بعنايةٍ. كنتُ متفوِّقًا في كل المواد، إلا اللغة الفرنسية. كانوا يتعجَّبون من هذا. لم أستطع أن أفهمهم يومًا صعوبة أن أتعلم لغةً لا تسير –حسب وجهة نظري- على قواعد منطقية، لماذا نكتب هذه الحروف ولا ننطقها؟ لماذا حرفe يُنطف كـa في الإنجليزية؟ مثل هذا حدث للشيطان وهو في الملأ الأعلى، لم يستطع أن يُفهم الملائكة –الذين من طبعهم الطاعة- أنَّه يُجاهد نفسه على العبادة، أنه يحبس رغباته ويقاوم شهواته ويخالف هواه، وكل هذا لأجل أن يبدو مثلهم في أمر يفعلونه هم دون شعور وإدراك ورغبة.. يفعلونه كما لو كانوا يتنفَّسون.

آدم: الإنسان الأوَّل. خلقه الله ضدَّ رغبة الجميع. فالملائكة رأت ما فعلته الجن. والجن لا تريد لأحد أن يتفَّوق عليها. أما الحيوانات فرفضت حتمًا هذا الكائن الأكثر تطوُّرًا منها. خُلق آدم وفُتحت له الجنة وحدَهُ. يتجول فيها، يرى جمال كل شيءٍ.. لكنَّ كل شيء ناقص. لم يكن هناك أحدٌ يُشاركه الجنة. لا أحد يُقاسمه التأمُّل، لا أحد يعترض على تصرفاته، لا أحد يقترح عليه أماكن جديدة، لا أحد يخترع له حزنًا بلا سببٍ، لا أحد يهديه وردةً في الصباح، لا أحد يشكو إليه مشاعره، لا أحد يُجلس جواره في الليل ويقول: انظر إلى هذه النجمة التي تلمع في ظلام الليل.. إنه نجمتنا الشاهدة على حبنا للأبد. آدم لم يتحمَّل هذه العزلة والوحشة والوحدة. فخلع الله ضلعًا من أضلاعه وخلق له حوَّاء؛ لتؤنس وحدته، وتطرد عزلته، وتُسلي وحشته. اختُلف في معنى اسم حوَّاء، ويغلب على ظني أنه من الحياة، الآخر هو الحياة. ومن يومها يتردَّد عبر الزمن صدى الحكمة الخالدة: “جنة من غير ناس، ما تنداس”.

يونس بن متى: يُونا بن أمتاي، أرسله الله إلى قومه. هرب يونس من قومه، وركب سفينةً، وحين اضطربت السفينة، لم يجدوا حلًّا إلا أن يُخفِّفوا حملها، فاستهموا، ووقع الاختيار على يونس مراتٍ. ألقوه. أخذه الحوت.

تختلف الروايات في عدد الأيام التي قضاها يونس في بطن الحوت. ماذا سيفعل أحدنا لو حُبس في بطن حوتٍ؟ ما الشعور الذي سينتابك، وأنت تعرف أنك في الجهاز الهضمي لكائن يستطيع أن يبتلع سفينةً كاملةً؟! أنت في قلب عملية الهضم.. بعد قليلٍ قد تصير فضلات هذا الحيوان! لا شكَّ أن حالات من الهلع والرعب والضغط العصبي والتدمير النفسي تنتظرك هناك.. هناك في بطن الحوت.. هناك في العزلة والحجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *