fbpx

تلوين وقراءة وسينما.. هكذا أستهلك ساعات العزل

أحمد صوان

بقلم: أحمد صوان

الكتابة عن أيام العزل!!

شئ غريب أن تطلب من أحد الواقفين خلف الكاميرا أن يقوم بتأدية دور صغير أمامها، بالمثل شعرت أن هذا الطلب مُربكًا عندما صدر من صديقي الكاتب والناشر زياد إبراهيم، قالها وهو يعلم قبل غيره أن التعامل طيلة الوقت باعتبارك صحفيًا هو ما يدفعك للتردد عندما تؤدي دور الكاتب.

الوقت كذلك مناسب لاعتراف بسيط، تأكدت من حقيقة أنني لا أحب المحادثات الإلكترونية، أراها باردة كترجمة حرفية مليئة بمصطلحات غامضة لا روح لها رغم كل الأيقونات والرسوم الصغيرة. لذا أتجنبها إلا الحديث مع قلة عاشرتهم جيدًا فانطبعت ردود أفعالهم بداخلي حتى صرت أراهم بينما يكتبون الكلمات.

لا بأس، هكذا أجلس مُتسلحًا بالشاي والسجائر وجهاز الكمبيوتر -مفردات العزل المنزلي- محاولًا انتقاء الكلمات الصالحة..

الصبر هو الرياضة التي أجيدها باقتدار، أقولها لنفسي في تلك الساعات الطويلة التي لا تنتهي، بعدما صار الخروج في هذا الوقت شديد الندرة بسبب عدو غير مرئي يقضي على أبشع كائنات هذا الكوكب وهم البشر . أجدني أتنقل ما بين الردهة وغرفتي وأتفقد نواقص المنزل باحثًا عن حجة للمغادرة. الآن صرت أسعد برؤية صاحب الفرن وبائع السجائر وأشعر أن شراء الخضروات نزهة؛ بالمثل تفعل ابنتي ذات الأعوام التسعة التي تبتكر احتياجات لا أهمية لها سوى أن تعقد ضفيرتها الصغيرة وتقف متلهفة على الباب في انتظار السماح لها بالفرار من جدران المنزل لدقائق، وهو مالا تفعله وحدها منذ بدء الاجراءات الاحترازية.

 

أقتطع ساعات أخرى بالقراءة، لدّىَ كم هائل من الكتب في قائمة الانتظار، أقرأ بعضها فأجد الكثير من الغث والمزيد من السمين أيضًا، تغلبني طبيعتي الصحفية فأضع قائمة بأسماء مؤلفين لم ألتقيهم بعد عازمًا على إجراء بضع حوارات معهم عندما تسمح الظروف، ثم أعود بمبدأ “من فات قديمه” إلى ما صنع عقليتي مع الكثير من النضج هذه المرة، فأتجول في حواري القاهرة المحفوظية عالقًا بذهني تحليلات مصطفى بيومي و”انشراح” ضحى عاصي القادمة من العالم نفسه رغم الفارق الزمني، واستمتع بعبقرية صلاح نصر في الحديث عن الحرب النفسية وكيف تطور الأمر إلى حروب الأجيال الرقمية، أتفقد الخطاب الديني على مر العصور متسلحًا بكتابات حسام الحداد ورباب كمال وأبحاث هبة شريف وشاهيناز  وزير، وأفتقد الإسكندرية التي وجدتها في حكايات إبراهيم عبد المجيد وليست مدينة اليوم المليئة بجدران أسمنية عالية.

بهدوء.. أفعل كل شئ لخسارة الوقت لا اكتسابه

ومثل الخواجة الذي أفلس فعاد ليتفقد دفاتره القديمة باحثًا عن شئ ما، أعود لأتذكر كل ما كنت أجمعه في صندوق لم يُفتح من قبل أسميته “لمّا ألاقي وقت”، أشحذ رغبتي في تعلم اللغات فأسرع في طلب صديقة ألمانية لنشرع في تنفيذ اتفاق قديم أن أتعلم لغتها، وأفتقد رياضتي القديمة “الكونج فو” -التي كنت واحدًا من أبطالها قبل عقد ونصف- لأعاود التدريبات وأكتشف أن جسدي يحتفظ بكل ما تعلمته، وبالطبع أفكر في أن الراحة الدائمة قد تكون فرصة لم تسنح أبدًا لاكتساب الوزن، فألتهم الطعام بلا توقف.

استمع إلى موسيقى كارل أورف وراجح داود بينما تمتد يدي إلى أرفف المترجمات، أقرأ الكثير من شتى بقاع الأرض، من فنلندا في أقصى الشمال وحتى جنوب أفريقيا، مع الكثير من القراءات الصينية لمعرفة هؤلاء القادمون ليرثوا عالم ما بعد العم سام؛ بهذه المناسبة أيضًا أستمر في الابتعاد عن عوالم هوليود ونسختها الهندية نحو آفاق سينمائية أكثر رحابة، هكذا أواصل اكتشاف سينما شرق أوروبا وأميركا الجنوبية مع بضع أفلام أريقية وآسيوية، بينما أشاهد السينما العربية المستقلة تزحف بعيدًا عن الظلام.

بالفعل “لعبت كل الألعاب” كما تقول العبارة العامية الشهيرة..

 

هناك أيضًا التلوين، هواية أخرى منسية ترتبط بالرسم لكنه ليس شرطًا للقيام بها، أعكف مع طفلتي الوحيدة بالساعات للخروج بما نراه قطعة فنية مُبهرة مليئة بالألوان دون الاكتراث بسخرية أو إعجاب من يراها، نتشاجر ونتفق ونصرخ ونضحك كثيرًا حتى نصل إلى نهاية الدفتر الذي كان مليئًا بالرسوم المركونة فأعادتها ساعات العزل إلى الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *