fbpx

أسامة الشاذلي في ساعات الحظر “خرج ولم يَعُدْ”

بقلم: أسامة الشاذلي

ثقيل للغاية هذا الصباح المتكرر وكأنه لعنة أصابتني، حجر ثقيل على صدري أشعر به فور الاستيقاظ، وقبل أن أفتح عيني تقاومني جفوني في الحركة، خوفًامن هذا الثقل وتلك الغصة.

يوم جديد سيشبه سابقه تماما، يبدأ في الظهيرة بكوب القهوة والعمل من المنزل على موقع الميزان، وعمل الإفطار للأولاد، وطبخ الغداء أحيانا، ثم الجلوس على مقعدي في غرفة نومي، أمام شاشة اللابتوب وروتانا كلاسيك؛ للعمل ومشاهدة بعض الفيديوهات، ولعب الاستيمشن أونلاين مع الأصدقاء عن بعد، أحيانًا حتى النوم بعد منتصف الليل.

هناك مثلٌ إنجليزي يقول: من يملك ماءً ونورًا فلا مبرر له للضجر، خاصة إذا أضفت لها الإنترنت، لكن المشكلة ليست في الملل، فلقد عملت من المنزل منذ ٣ سنوات، فأنا معتادعلى تلك الأجواء.

الشيء الذي اختلف، الخوف على أحبائك وأقربائك، وعلى الغد الذي يحتمل ألا أكون.

دعني أخبرك سرًّا عزيزي القارئ، هذا الثقل على صدري ليس بفعل الملل، بل هو أحد أعراض الكورونا المتخيلة التي أصحو خائفًا أن أكون قد أصبتني، ويختفي بمجرد ممارسة الطقوس اليومية، وكلٌّ منا يتتبع صوت العطس والكحة في المنزل خوفا من المجهول.

في الحقيقة، أخشى أن أتسبب في أذية أحبائي في البيت، وهذا الفزع أكبرمن مجرد الإصابة بالمرض.

يقول باولو كويلو: إذا تشابهت الأيام، فهذا يعني أن الناس توقفوا عن إدراك الأشياء الجميلة في حياتهم.

وهذه مقولة حقيقية تمامًا، فلهذا دعني عزيزي القارئ أرتدي بدلة أخصائي التنمية البشرية، وأنظر معك خلال هذا المقال إلى نصف الكوب “المليان”– يفضل عصير ليمون؛ لزيادة فيتامين سي للوقاية من كوفيد ١٩.

أنا أجلس في البيت مع زوجتي والأبناء فترات طويلة للمرة الأولى منذ سنوات، رشا لا تتوقف عن الانتصار على كل ممل ومتكرر وخالٍ من الروح، تلعب رياضة، وتشارك الأبناء لعب اليوجا والخبز، بل وتسجيل حلقات جديدة من برنامج أكتبه بعنوان “بومة وديك”، نشاهد فيلما تافها تقريبًا كل أسبوع معًا، وكذلك فيلما مهمًّا.

أعيد مشاهدة “الرجل العناب” مع علي ابني مرة أخرى، تعلمت غسيل يدي للمرة الأولى بعد ٤٦ عاما من الغسيل الخاطئ لليد، أتابع فرح بنتي بعدما غزت المطبخ للمرة الأولى بل وأكلت من يدها نوعًا من الحلوى الذي يطلقون عليه اسمًا أجنبيًّا غريبًا، وعدت حلا أن أحضر معها أحد دروس اليوجا، وغالبًا سأشارك فقط كمتأمل.

كل هذه المزايا في نصف كوب الليمون “المليان”. أما عن النصف الفارغ؛ فهو أني لم أكتب حرفًا في روايتي الجديدة طيلة هذا الشهر، وأنني لم أشاهد فيلم “خرج ولم يعد” منذ ٣ أشهر، وأنا عادة أشاهده مرة كل شهر.

لكن، لماذا خرج ولم يعد؟ لأنني أحسد عطية عبد الخالق الذي لعب دوره الفنان الكبير يحيى الفخراني على رحلة استكشافه، وقرار هجر القاهرة للأبد، وأحلم بتقليده يومًا ما، كذلك أعشق شخصية كمال بك عزيز والتي لعبها الفنان الكبير الراحل فريد شوقي، هذا الرجل الذي لف العالم وامتلك حكمته الشخصية ليعود بمحض إرادته إلى قريته مكتفيًا بسعادة شخصية مع زجاجة في “الغيط” ليلًا، وحبه لزوجته وعشقه الأكبر للطعام.

عدنا جميعا إلى البيت، عدنا ولم نخرج، لكننا لم نكتشف بعد سر كمال بك عزيز، حيث السعادة إرادة، وحيث أصبح المنزل حياة كاملة قادرين على إدارتها بصحبة أولادنا وزوجاتنا ونحن سعداء .

كان عطية رافضا ويشعر بالملل من اكتشافه حتى توصل إلى أنها الجنة، دعونا جميعا نقلد عطية ونكتشف جنتنا في بيوتنا بعيدا عن ضغوط العمل والزحام والمواصلات.

دعونا نعيد ترتيب الأولويات في التعاون والسعادة والتواجد في حياة زوجاتنا وأبنائنا بصورة أكثر قربا وتأثيرا بعد أن سحبتنا دوامة الحياة بعيدا عنهم.

دعونا نعود مرة أخرى للأكل على منضدة واحدة مع العائلة ومشاهدة شيء ما ولو كل أسبوع معًا، ولعب الكوتشينة والدومينو والشطرنج بعيدًا عن الإنترنت ولو لساعة كل يوم.

دعونا نعتبرها فرصة لاستعادة الحياة من فم فيروس بغيض يهدد تلك الحياة ومن رحم الألم تولد الحياة.

 

وأكتفي عزيزي القارئ في ختام المقال برباعية كتبتها قبل سنوات:

واخد الدنيا في حضني في رقصة

لا ناقص حزن، ولا هيَّ ناقصةْ

وبنمثل رواية جهنمية

بموت فيها في آخر القصة

وعجبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *