fbpx

الأغاني والإيقاعات التراثية الشعبية في شمال البرازيل

مختار سعد شحاتة

ترجمة الأغاني من البرتغالية/د.هدى بلوم بكور

إشارة هامة:-

أتقدم بخالص الشكر إلى الدكتورة هدى بلوم بكور، على قبولها المشاركة في ترجمة الأشعار الأغاني من البرتغالية إلى العربية، والتي قمنا باختيارها، وأمتن جزيلاً لها على إضاءات كثيرة قامت بها خلال الإعداد لهذا المقال، وهذا من بابا رد الفضل إلى أهله، وكذلك أمتن لكل من قابلتهم خلال مرحلة إعداد المقال من مدينتي سالفادور (ولاية باهيا) وريسيفي (ولاية برناموكو)، إذ كان لهذه المقابلات أثرًا واضحًا وهامًا في كتابة المقال.

مدخل عام:

 تمتد عبر مساحة تقارب 8 مليون كم مربع دولة البرازيل، لتشمل مساحة عريضة من التنوع الجغرافي والبيئي والثقافي، وعبر تاريخ طويل من اختلاط الأعراق تتجاوز البرازيل 200 مليون مواطن، يتنوعون في ثقافاتهم وتوجهاتهم، لينطبع كل إقليم منها بطابع فريد وخاص، بل تختلف لهجاتهم ونطقهم للبرتغالية بشكل لافت، فأبناء الشمال لهم طقوسهم الثقافية وعاداتهم الشعبية التي تميزهم عن الداخل البرازيلي (الوسط)، ومثلهم الجنوب والغرب الأمازوني.

نتتبع في هذا المقال الأغاني الشعبية في شمال البرازيل والإيقاعات المصاحبة لها، ونركز اهتمامنا على ولايتي باهيا وبرنامبوكو في الشمال، إذ تشتهران بموسيقى وتراث غنائي خاص بهما، يُرجعه البعض إلى ارتفاع نسبة السكان من أصول إفريقية في عموم الشمال الإفريقي، واللافت هُنا كيف استطاع هؤلاء إبداع موسيقاهم وأغانيهم التراثية، بل وكيف استطاعوا أن يميزوا بيئتهم الثقافية بشكل عام عن باقي ولايات البرازيل. ويلفت انتباه الباحث تميز الشمال والشمال الشرقي البرازيلي بما يسميه باحثو التاريخ والأنثربولوجيا والأدب (ثقافة الشعوب الأصيلة)، وليس الموضوع قاصرًا على الموسيقى والغناء فقط، بل يأتي الطهي كعلامة ميزة جدًا للمنطقة عبر أكلات شعبية أشهرها على سبيل المثال “الكاراجا” في باهيا، وهو طحين خاص في الزيت مع الجمبري وبعض السلطات الخاصة.

الممارسات والعادات الثقافية في شمال البرازيل تمثيل للهوية:

يصف الدكتور (إيفالدو مارسيانو) أستاذ التاريخ والدراسات الإفريقية والشعوب الأصيلة بجامعة (UNBE) الحياة الثقافية في شمال وشمال شرق البرازيل، حسب ما صرح به خلال مقابلتنا معه وقت إعداد المقال، أنها تعتمد بشكل كبير على أصولها وهويتها العرقية، مؤكدًا أن الأصول تلك لها معنى وقيمة كبيرة سواء بين المثقفين أو بين العوام بشكل ما، وهو ما يبدو جليًا فيما يتعلق بالممارسات والأعراف الثقافية، والتي يمثل فيها النص المكتوب المُغنى (القصائد الشعبية والأغاني) إلى جانب الإيقاعات المختلفة، ملمحًا هامًا من ملامح تلك الممارسة الثقافية، وليس خلال الكرنفالات والاحتفالات بل يمكن ملاحظتها في الممارسة الحياتية اليومية، وهو ما أكده في كثير من مقالاته حول كرنفال مدينة ريسيفي بولاية برنامبوكو.

ولفت انتباهنا د. إيفالدو إلى أن هذه الممارسات تأخذ طابعًا تنافسيًا في بعض الأحيان خلال الكرنفالات والاحتفالات، كما يحدث داخل مدارس السامبا في كرنفال ريو دي جانيروأو بشكل عام حين تختلف تلك الممارسات في كرنفال فبراير في الشمال عما يحدث في ري ودي جانيرو، إذ يأخذ الكرنفال في باهيا (مدينة سالفادور) وبرنامبوكو (مدينة ريسيفي) شكلاً مغايرًا تمامًا لما يحدث في ريو دي جانيروومهرجانها ذائع الصيت. وفي ذلك أضاف لنا بإحالة إلى واحد من مقالاته التي أكد فيها أنه:

“لا يمكن النظر إلى الممارسة الثقافية أو العرف على أنها ناشئة من نقطة أو مكان واحد. من المستحيل العثور على أصل الممارسة الثقافية أو ترسيمها في الزمان والمكان، حيث أنها تتخللها مساهمات أخرى عديدة تضاف إلى هذه الممارسة”.

يبدو هذا الشغف بالإيقاعات والأغاني والأشعار الشعبية هنا في عموم البرازيل، يخرج من مجرد التقليد الثقافي إلى قضية أكبر وأشمل تتعلق بالتمثيل والهوية والأعراق هنا في البرازيل، وهو ما يجعل هذه الإيقاعات متأصلة في الشخصية البرازيلية وكأنها جينيات وراثية يتم نقلها عبر الأجيال.

العلاقة بين القصائد الشعبية والإيقاعات الموسيقية:

كما أشرنا يتميز الشمال البرازيلي بتراث هائل من الغناء الشعبي والموسيقى، ويرتبط ذلك ببعض المهرجانات والاحتفالات في البرازيل، أشهرها على الإطلاق “الكرنفال” في مطلع فبراير من كل عام، والذي بدأ كاحتفال ديني خاص قبل أن يتحول إلى احتفال شعبي واسع، إلى جانب احتفالات دينية وشعبية تأخذ طابعًا تراثيًا موسيقيًا وغنائيًا مثل احتفالات “ساو جواو”، وآلام المسيح، وغيرها. ويأتي الحدث الأكثر شهرة في الشمال هو مهرجان Parintins، والذي يعقد في يونيو من كل عام، والذي استحدثه المهاجرون في شرق البرازيل، ليصبح واحدًا من أهم المظاهر الفلكورية في شمال البرازيل بكل ما فيه من إيقاعات موسيقية وكلمات أغانيه الشعبية، والتي يرجع بعضها كذلك إلى أصول المهاجرين الأفارقة الذين أثروا بإيقاعاتهم الموسيقية وآلاتهم في الغناء البرتغالي بشكل عام ليس في البرازيل وحدها بل في البرتغال نفسها، وذلك إبان فترة الاحتلال البرتغالي للبرازيل.

حدثتنا السيدة (إلبا أوليفيرا كريزيستمو) والتي تعمل مدرسة بإحدى المدارس، وباحثة بالجامعة الاتحادية بمدينة سالفادور، مؤكدة أنها من خلال بحثها المتعلق بالسكان الأصليين في باهيا ترى أن الموسيقى والأشعار التراثية المُغناة خاصة، أكثر جذبًا لأجيال كثيرة من البرازيليين، مؤكدة أن السبب وراء ذلك بسيط جدًا:

 “فالكلمات والأشعار الشعبية التي يغنيها التراث في الشمال البرازيلي تلمس الجميع في باهيا، وتذكرنا بالثمن الذي تمّ دفعه لأجل هذه الحياة التي نحياها”

وأشارت “إلبا” إلى أن الكثيرين الآن من الأجيال المعاصرة لا تنتبه إلى الكلمات المكتوبة أو الأشعار التراثية الشعبية بالأغاني، مؤكدة أن الكلمات “القصائد الشعبية” تراجعت بشكل ملحوظ أمام الإيقاع، وصار الإيقاع أكثر أهمية من الكلمات المكتوبة، تقول:

“الدليل على تقدم الإيقاع، حين تلاحظ الأطفال هنا في باهيا، فهم حين يسمعون الأغاني يرقصون مباشرة مع الإيقاع، في الحقيقة هم يسمعون القصائد المُغناة، لكنهم لا يدركون معناها، ولا يشغلهم غير الإيقاع، غير مكترثين بالمعنى في القصيدة او الشعر المُغنى”.

الأغاني الشعبية في الفلكلور البرازيلي في الشمال:

يتشابه بوجه عام فلكلور الموسيقى والغناء الشعبي في البرازيل مع فلكلور الإنسانية كلها في وجه هام، إذ يعرف الكثيرون ويحفظون هذه الإيقاعات والأغاني الشعبية، لكنهم أبدًا لا يعرفون من مؤلفها أو من قالها وأبدعها لأول مرة، إذ توارثتها أجيال وأجيال عبر حقب زمنية ممتدة، وهو ما يشبه الإجابة في أدبنا العربي عن مؤلف “ألف ليلة وليلة”، لكنه دال بوجه ما على أن الإنسان في كل مكان على الأرض له طبيعة واحدة وفطرة سليمة تحب الفن والغناء والموسيقى، بل وتستثمر في تراثها وفلكلورها الغنائي كل مظاهر حياتها سياسية واقتصادية واجتماعية.

ويمتاز الشمال البرازيلي –خاصة ولاية باهيا وعاصمتها سالفادور- بتجمع كبير للعرق الإفريقي وهو ما يجعل التراث الغنائي في تلك المنطقة خاصًا جدًا في بعض أغانيه والتي تتعلق بالحرية وتناقش العبودية وتُشير إلى إفريقيا أرض الأجداد بشكل كبير، حتى أن البعض يُرجع كذلك رقصة ولعبة “الكابويرا” إلى هؤلاء العبيد الأفارقة في حقبة الاحتلال البرتغالي، وكيف لجأ الأفارقة إلى الرقص والغناء كنوع من أنواع المقاومة.  

شهدت البرازيل في السنوات الأخيرة نقلات موسيقية عديدة، كلها أثرت بشكل عام على القصيدة الشعبية، وحسب ما صرح به لنا المطرب “ديجاما سانتوس “DJ”” والذي يمتهن الغناء بعد فترات عمله كضابط شرطة بمدينة سالفادور، فإنه يلجأ إلى تقديم القصائد التراثية التي تمَّ غناءها قديمًا وعبر أجيال، لكنه حسب قوله يشترط، “أن يتم تقديمها بتوزيعات وإيقاعات عصرية، تتناسب وما يطلبه منه جمهوره” أو رواد الصالة التي يُغني فيها ليالي السبت والأحد من كل أسبوع. لنأخذ مثالًا لقصيدة (اللون الأسمر):

اللون الأسمر/ لون الذهب

اللون الأسمر / هو كنزي

وفق مذاقي / وفق رأيي

سوف أحب اللون الأسمر برضا أبي أو بدون رضاه (يتكرر)

اللون الأسمر / لون الفضة

اللون الأسمر / لون يقتلني

وفق مذاقي / وفق رأيي

سوف أحب اللون الأسمر / و السرور في قلبي (يتكرر)

اللون الأسمر / لون القرفة

اللون الأسمر / أجمل الألوان

وفق مذاقي / وفق رأيي

سوف أحب اللون الأسمر / برضا أبي أو بدون رضاه

A cor morena / É cor de ouro

A cor morena / É o meu tesouro

É de meu gosto / É de minha opinião

Hei de amar a cor morena Quer papai queira, quer não (Bis)

A cor morena / É cor de prata

A cor morena / É quem me mata

É de meu gosto / É de minha opinião

Hei de amar a cor morena / Com prazer no meu coração (Bis)

A cor morena / É cor de canela

A cor morena / É uma cor tão bela

É de meu gosto / É de minha opinião

Hei de amar a cor morena / Quer papai queira ou não (Bis)

“الحقيقة وراء ذلك سبب هام، وهو محاولة الحفاظ على هوية الشمال البرازيلي فنيًا وثقافيًا، فعلى سبيل المثال، سالفادور مشهورة بأنها العاصمة الإفريقية للبرازيل، فغالب السكان في الشمال لهم أصول إفريقية، وأمام موجة الحداثة في الموسيقى، وتراجع قيمة الكلمات أمام الإيقاعات، اضطر المطربون إلى البحث في التراث وإحيائه، خوفًا من التشوه الذي ينتشر بين الأجيال الصغيرة، التي لا تملك الحس الكافي لتذوق تلك الكلمات والموسيقى التراثية وإيقاعاتها”

بينما ناقشنا هذه الحقيقة –حسب رأي برونا- مع المطرب “ديجاما سانتوس “DJ””، فعاد يؤكد أن هناك أزمة في الشعر الشعبي المكتوب خاصة المرتبط بالقصيدة المُغناة، مؤكدًا أن سطحية المطروح من كلمات هو ما جعله يفكر في إعادة إحياء التراث الشعبي لتلك القصائد الشعبية، وهو ما عللت له السيدة “إلبا” باعتبارها مدرسة لغة برتغالية بالأساس، وقالت:

“سوء الخدمة التعليمية في المدارس الحكومية الآن تسبب في ذلك، فالطلاب الآن لا يودون التعرف على ثقافات أخرى أو التحدث بلغة أخرى غير البرتغالية، في الحقيقة هناك جيل صاعد لا يهتم بالقراءة والثقافة، وهذا مرعب ما لم ننتبه إليه ونعالجه”

وتعود الشاعرة “تاييس برونا” وتؤكد لنا خلال مقابلتنا معها بأن:

 

“شعراء العامية قليلون في سالفادور، والشعراء بشكل عام، فالشعر لا يلقى اهتمامًا هنا مثل الذي يلقاه في برازيليا العاصمة أو ساو باولو وريو دي جانيرو، هنا فقط الموسيقى والإيقاعات تملأ المساحة الفنية تلك، وهذا محزن بشكل ما”.

تأثيرات خاصة في الفلكلور الثقافي:

يتأثر فلكلور الغناء البرازيلي (والقصيدة الشعبية بوجه عام) في الشمال بإيقاعات إفريقية خالصة، وبشكل عام تُعد الموسيقى الفلكلورية طابعًا مميزًا للهوية الثقافية في الشمال البرازيلي، وتشتهر إيقاعات غنائية وموسيقية مثل، كاريمبو وكاليبسو وماروجادا والتي تتعلق بثقافة السكان الأصليين (الأفارقة والهنود الحمر)، وتمتزج معها إيقاعات “أفروكاريبي” لها صناجة خاصة تتعلق بإيقاع وأغاني “Batuque Africano” “الباتوكِ” الأفريقية، والتي أكد لنا “عبد الله بالدي” (باحث دكتوراه من غينيا بيساو في الأدب والثقافة البرازيلية في الجامعة الفيدرالية بسالفادور)، أنه تمَّ بناء كثير من إيقاعات السامبا البرازيلية الشهيرة على هذا الإيقاع الإفريقي، وهذه الإيقاعات بدورها استجلبت موضوعاتها الخاصة بمعاناة هؤلاء السكان والعبيد.

ويعود الفضل كثيرًا في هذه الإيقاعات إلى العرق الإفريقي في البرازيل، والذي اعتمد على آلات موسيقية تتوافق وطبيعة الحياة التي عاشها الأجداد الأفارقة حين وصلوا البرازيل كعبيد تحت الاحتلال البرتغالي، إذ تظهر آلات مثل؛ Marujada والتي تشبه الطبل، cuíca، الدفوف، والكمان، cavaquinho، وغيرها من الآلات التي تحفز وتشجع على الغناء والرقص ذات الأصول الإفريقية. كما يحتل الجيتار البرازيلي موقعًا هامًا في أغاني التراث والفلكلور الشعبي البرازيلي بوجه عام، وعبر “كوردات” موسيقية بسيطة وسهلة الحفظ تساعد على تفاعل الجمهور مع الإيقاع والأغاني التي يقوم المغني الشعبي أو الفرق الشعبية في المهرجانات بآدائها. تقول إحدى القصائد الشعبية والتي تم غناؤها وانتشرت في التراث:

سأرحل ، سأرحل يا هديتي

المشاغل تأخذني

علي بمسابقات الرعاة يا هديتي (تكرر)

في حقول المحبة

في الليلة المظلمة، في الليلة المظلمة، يا هديتي

ظهرتِ لي الليلة كلها

و في الفجر يا هديتي (تكرر)

غادرتِ و تركتني

و الجذوع الجافة حملت الفاكهة يا هديتي

و القلب اخضر

و الطبيعة بنفسها ضحكت، يا هديتي (تكرر)

في اليوم الذي ولد فيه الحب

Vou-me embora, vou-me embora prenda minha

Tenho muito que fazer

Tenho de parar rodeio prenda minha  )Bis(

No campo do bem querer

Noite escura, noite escura prenda minha

Toda noite me atentou

Quando foi de madrugada prenda minha )Bis(

Foi-se embora e me deixou

Troncos secos deram frutos prenda minha

Coração reverdeceu

Riu-se a própria natureza prenda minha  )Bis(

No dia em que o amor nasceu.

ويجب الإشارة إلى ما أكدته لنا السيدة “إلبا” والشاعرة “تاييس برونا” بأن الشعراء القدماء في باهيا على عكس المتوقع والمتوهم، غالبهم كان من أناس ذوي بشرة بيضاء، وقليلون جدًا من كان من السود أو الهنود الحمر، وهو ما كان مفاجئًا لنا حين كتابة المقال، إذ كانت الصورة الذهنية المسبقة تميل إلى أن الكثير من تلك القصائد والشعر الغنائي التراثي، كتبه هؤلاء السود، ووجب أن ننتبه إلى إشارة السيدة “إلبا” حين قالت، بأن الإيقاعات لها شعبية أكثر وهي إيقاعات إفريقية، لذلك لم يهتم أحد بالبحث عن الكاتب والمؤلف للكلمات والقصائد المُغناة. بينما أضافت الشاعرة “تاييس برونا” مؤكدة لنا أن:

“لم يكن الناس قديمًا في باهيا (تقصد سالفادور) تفرق بين الشعر الشعبي وبين الشعر المسرحي وبين الأغاني، فكل ما كُتب كان يمكن غناؤه ما دام يخدم قضية الإفريقي المستعبد، أما الآن فلا يحدث ذلك، والفرق واضح بين هذه الأنواع الكتابية، خاصة للمنخرطين في هذا المجال”.

موضوعات وقضايا الأغاني والقصائد الشعبية في الشمال البرازيلي:

يميل الكثيرون إلى تكرار جملة أكاديمية مفادها أن “الأدب والفن مرآة المجتمع بكل ما فيه”، وهو ما يجعل الفلكلور الغنائي والقصائد الشعرية الشعبية في البرازيل ليس بِدعًا في ذلك، إذ تصبح الحياة بكل ما فيها مادة خصبة لهذا الفلكلور، فيتغنى بها كلما سنحت بذلك الفرصة، فيغني للطبيعة وجمالها وللطيور والحيوانات من حوله، كما في نص أغنية (Pombinha Branca)  “حمامة بيضاء” يقول:

– يا حمامة بيضاء، ماذا تفعلين؟

– أغسلُ الأطباق لحفلة الزفاف

الأطباق كثيرة وأنا بطيئة

طبيعتي أني كسولة

– يا حمامة بيضاء، ماذا تفعلين؟

– أغسلُ الأطباق لحفلة الزفاف

مرَّ بي رجل

ببدلة بيضاء

وقبعة مائلة

هو حبيبي

قلتُ له تفضل

اجلس

بصق على الأرض

– امسحي يا قليل النظافة

Pombinha branca, que está fazendo?

Lavando a louça pro casamento

A louça é muita, sou vagarosa

Minha natureza é de preguiçosa

Pombinha branca, que está fazendo?

Lavando a louça pro casamento

Passou um homem

De terno branco

Chapéu de lado

Meu namorado

Mandei entrar

Mandei sentar

Cuspiu no chão!

Limpa aí seu porcalhão!

ويتأثر بالمحيط وشاطئه والصيد والأسماك، فيغني أغنية باسم “Baleia” “الحوت”، ويقول:

هذه الأغنية ترجمتها ترجمة خاصة إذ تعتمد بالأساس على لعبة لغوية في الكلمات البرتغالية، لذلك فالترجمة هنا ترجمة مقاربة للشكل الأصلي مع الحفاظ على المعنى:

الحوت سمكة بزعانف كبيرة

من يرغب بفتاة جميلة، ليذهب إلى ساحة سانت آنا (يتكرر)

الألف و الباء و التاء، لنتعلم كلنا

لنتهجأ البا بو بي في منهج الألف باء تاء (يتكرر)

الألف حرف يكتب في الألف باء تاء

يا أسماء لو تعلمي بمحبتي لك (يتكرر)

الباء حرف يكتب في الألف باء تاء

يا بسمة لو تعلمي بمحبتي لك (يتكرر)

التاء حرف يكتب في الألف باء تاء

يا تحية لو تعلمي بمحبتي لك (يتكرر)

 A baleia é um peixe com tamanha barbatana

Quem quiser moça bonita vá no Campo de Santa (Bis)

O A, o B, o C, vamos todas aprender

Soletrando o bê-a-bá na cartilha do ABC (Bis)

O A é uma letra que se escreve no ABC

Ó, Altina, você não sabe quanto eu gosto de você (Bis)

O B é uma letra que se escreve no ABC

Ó, Belmira, você não sabe quanto eu gosto de você (Bis)

O C é uma letra que se escreve no ABC

Ó, Cecília, você não sabe quanto eu gosto de você… (Bis)

كما يغني للمواعدة والحب والزواج والوطن والحرية والظلم وبلاده البعيدة، وكل ما يخطر في باله أو تقع عليه عينه في الحياة من حوله، يُصبح مادة للقصيدة الشعبية التي تتحول إلى الغناء الشعبي. تأمل الكلمات في أغنية “Prenda Minha” (المعتقل/ المُعاقب)  التي عرضناها من قبل. 

وتجيء أصوله الإفريقية كذلك بشكل لافت في القصائد الشعبية والأغاني الفلكلورية، كأنه يريد أن يبقى على هذا الأصل فلا تنساه الأجيال التالية، وهو ما خلده نوع من الغناء الفلكلوري يُسمى “O Calypso” “كالسيبو”، والتي يظهر فيه بوضوح الأثر الإفريقي والكاريبي معًا، خذ على ذلك مثالاً القصيدة التالية التي تمَّ غناؤها NEGRINHO DO PASTOREIO  (الراعي الأسمر) والتي تقول:

يا راعي يا اسمر أُضِيءُ هذه الشمعة لك

و أطلبُ أن ترد لي حبي الذي فقدته

يا راعي يا أسمر، رد لي مكاني

العجوزة أولعت النار فيه، و قلبي ما زال هناك

أريد أن أري حقل البيتانغا (ثمرة استوائية) الملون ثانية

أريد أن أرى فتاة الجنوب تلعب بمياه السنغا (ساقية)

أريد الضرب بسنابك الخيل فوق الصخور و أن أتنفس الحرية

التي فقدتها يوم خروجي

يا راعي يا أسمر

أعد لي مكاني

العجوزة أولعت النار فيه و تحرق تراثنا

Negrinho do pastoreio acendo essa vela pra ti

E peço que me devolvas a querência que eu perdi

Negrinho do pastoreio traz a mim o meu rincão

Que a velinha está queimando, nela está meu coração

Quero rever o meu pago colorado de pitangas

Quero ver a gauchinha brincando na água da sanga

Quero trotear nas coxilhas respirando a liberdade

Que eu perdi naquele dia que me embretei na cidade

Negrinho do pastoreio traz a mim o meu rincão

A velinha está queimando aquecendo a tradição

بقى هنا أن نُشير إلى أن فلكلور القصيدة الشعبية المغُناة في الشمال البرازيلي استطاع أن يدخل الكثير من الشخصيات التي لها تاريخ في الذاكرة البرازيلية، سواء بشكل ديني أو سياسي، وهو ما تأثرت به مدارس السامبا الحالية، بل وتبني عليه كثير من كلمات أغانيها في عصرنا الحالي خلال المهرجانات الشعبية للرقص والغناء. وهكذا ستجد أغاني كثيرة تحمل دلالات حياتية لهذا الإقليم، فهناك أغنية للضفدع، وللرقص، وللماء، وللغابة، وللزوجة الجميلة،… إلخ، فالحياة كلها مادة خصبة تناولها هذا الفلكلور الشعري الغنائي الشعبي بإيقاعاته تلك التي سهلت انتشارها بين عموم الشعب البرازيلي.

أهم خصائص القصائد الشعبية والأغاني في الشمال البرازيلي:

يحلو للبعض أن يُسمى الشمال البرازيلي بالشمال الأفريقي أو الولايات الإفريقية، وهي تسمية لها دلالة على الحياة هناك بشكل عام، ولذلك فالفلكلور الشعري الشعبي والغنائي والموسيقى في الشمال له سمات خاصة تتشابه في عمومها مع الفلكلور البرازيلي، لكنها تحافظ على هوية متفردة للشمال عن غيره من كافة أقاليم وولايات البرازيل، ويمكن أن نرصد بعض تلك السمات وليس جميعها، إذ لا يتسع المقام هُنا لتلك الاستفاضة والتخصص، وهي سمات توصلنا لها بتحليل النصوص الموجودة بهذا المقال كنماذج للشعر الشعبي الغنائي، وكذلك لمجموعة قراءات لغيرها من النصوص بمساعدة حضرة المترجمة الفاضلة (د. هدى بلوم بكور)، والاستماع إلى بعض تلك النصوص المُغناة والمتداولة بين سكان ولاية باهيا بشكل خاص، ومن أهم تلك السمات:

– قصائد وأغاني مجهولة النسب، فلا يُعرف من أبدعها أو من قام بكتابتها.

– كلمات القصائد الشعبية المُغناة سهلة وبسيطة بعيدة عن تعقيدات التراكيب النحوية وقواعد اللغة.

– تعتمد بعض القصائد الشعبية على ألعاب لغوية لا يمكن فهمها خارج سياق اللغة عبر الترجمة إلا بتصرف وصعوبة.

– ليست قصائد شعرية طويلة، إنما قصيرة، وأحيانًا قصيرة جدًا.

– يغلب تكرار الجمل بكامل القصيدة الغنائية الشعبية، ولا تكتفي بترديد وتكرار المذهب فقط مثل الأغاني العربية مثلا.

– تعتمد على إيقاعات رنانة لها صناجة تناسب ألات الإيقاع المصاحب كالطبول والدفوف إفريقية الأصل.

– القصائد كلها تعتمد على البيئة المحيطة وتستخدم كل ما فيها كمادة لبناء القصيدة.

– ظهور الشخصيات التاريخية داخل القصيدة الشعبية والأغاني الفلكلورية.

– يمكن للقصيدة الواحدة ظهور أصوات متعددة داخل القصيدة.

– ظهور الحيوانات والطيور بما لها من دلالات سياسية واجتماعية، فأثر البيئة في تلك النصوص واضح وجلي.

– الإشارة الواضحة إلى العرق الأفريقي (الزنجي) في كثير من تلك الأغاني والقصائد الفلكلورية المُغناة.

– الحب والمرأة والعلاقات الغرامية والمواعدة واحدة من أهم الموضوعات التي تناولتها، ومن بعدها مباشرة موضوعات الظلم المتعلق بالإفريقي والعرق الأسود.

– القصائد الشعبية والفلكلورية بسيطة وسهلة الحفظ حتى يسهل تناقلها عبر الأجيال.

– الحياة اليومية تحضر بقوة في تلك الأغاني الشعبية والقصائد المُغناة، إلى الدرجة التي تُمكن الباحث من تتبع خريطة يومية للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع في شمال البرازيل عبر حقب تاريخية مختلفة.

– جميعها قصائد مُغناة، يتم غناءها مصحوبة بآلات إيقاع رنانة في غالبها، وقليل منها تميل إلى الهدوء.

الإيقاعات الشعبية الحديثة (في القصيدة الشعبية والموسيقى) في شمال البرازيل:

تُعتبر البرازيل واحدة من أهم البلدان في العالم التي تحتوي على كم هائل من التنوع الثقافي نظرًا إلى التنوع العرقي عبر مساحتها الكبيرة الممتدة داخل القارة الأمريكية الجنوبية، وهو ما يجعل لكل إقليم سمات واضحة عن الآخر، لكنها لا تمنع ذلك الامتزاج الرائع الذي يحدث بين هذه الثقافات المتنوعة، وربما كان ذلك التنوع وغيره من متغيرات كثيرة هو أحد أهم الأسباب المسئولة عن هذه الثقافات الرائعة والمتنوعة والتي هي جزء أصيل من أصول وثقافة الحياة البرازيلية المعاصرة بعيدة المنشأ.

ويضم الشمال والشمال الشرقي البرازيلي ما يزيد عن خمسة عشر ولاية من بين سبع وعشرين ولاية تكون جمهورية البرازيل الحالية، ومن أشهر تلك الولايات باهيا وبرنامبوكو، وتمتاز الولايتان بالعديد من العادات والثقافات التي يُرجع المتخصصون أصولها إلى ثقافات العبيد والسياق التاريخي البرازيلي في القرن الثامن عشر، إذ تأثرت المنطقة بكاملها بثقافة هؤلاء العبيد الأفارقة ومعتقداتهم، فجاءت كل أشكال التعبير الإبداعي المكتوب (أغاني وأشعار) والمرئي (الرقص الجماعي والملابس) والمسموع (الإيقاعات الموسيقية) كلها من بوتقة هؤلاء العبيد المغلوبين على أمرهم في ظل الإمبراطورية وقبلها الاحتلال البرتغالي.

واشتهرت مجموعة من الإيقاعات الموسيقية التي أثرت بدورها على الشكل الكتابي لأغاني الفلكلور والشعر الشعبي (العاميّ)، إذ كانت تضع تلك النصوص المكتوبة في اعتبار مؤلفيها أهمية الإيقاعات المنتشرة، والتي تساعد على حفظ الكلام وسرعة انتشاره وترديده، وهو ما يربطه الباحثون في هذا المجال برقصات وكلمات أغاني الكابويرا وغيرها من الإيقاعات الفلكلورية الشهيرة مثل، marujada و  cirandas و  o carimbó، وكذلك مجموعة الإيقاعات الراقصة ومشتقاتها في الثقافة الشعبية والتي لها تأثير واضح في اختيار الكلمات وطول الجمل الغنائية ومنها خاصة في منطقة الشمال الشرقي إيقاعات شهيرة، يرحج البعض أنها ساهمت في ظهور السامبا الحديثة، مثل، (o frevo, maracatu, xaxado, bumba-meu-boi, tambor-de-crioula  و o forró) وكلها إيقاعات راقصة لا تزال تؤدى أغنياتها ورقصاتها حتى الآن، خاصة في أيام الكرنفال في فبراير من كل عام وكل المناسبات والاحتفالات الشعبية، وهو ما يجعل الكثير من الباحثين في مادة الفلكلور البرازيلي يربط بين شكل الأغنية (الشعر الشعبي) وبين تلك الإيقاعات الموسيقية والرقصات الشعبية، وذلك لما لها من تأثير واضح في شكل القصيدة الشعرية الشعبية المُغناة في التراث البرازيلي الشعبي، بل هناك من يتخصص في ذلك الربط ويتابع حركته التاريخية ودلالاتها الثقافية والاجتماعية داخل المجتمع البرازيلي، مثل د. إيفالدو مارسيانو (أستاذ التاريخ والشعوب الأصيلة والدراسات الإفريقية) والذي أجرينا معه مقابلة خاصة في جامعة ولاية باهيا الاتحادية (UNBE) وشرح لنا ذلك، وعرفنا على أبحاثه الأكاديمية في ذلك الصدد خاصة في ولاية برنامبوكو (مدينة ريسيفي).

وينبغي أن نشير في هذه النقطة الخاصة بالإيقاعات والفلكلور إلى ظهور هذه الموسيقى الجديدة التي نبهنا إليها المطرب “ديجاما سانتوس “DJ”” وأشارت إليها السيدة “إلبا” بملاحظة تلاميذها في المدرسة التي تعمل بها، والتي يمكن ترجمتها إلى العربية “مؤخرة الكلب” – الاسم في البرتغالية لو تمّ ترجمته ترجمة حرفية لكانت كلمة فاحشة جدًا في الاستخدام والسياق العربي -، وهي نوع جديد من الموسيقى والإيقاع استحدث مؤخرًا وانتشر بين الشباب في البرازيل بشكل عام، ويستدعي كلمات شديدة البذاءة والرداءة –على حد تعبيره- وهذا في نظره أحد أهم مهددات التراث الغنائي والقصائد الشعبية المغناة في البرازيل كلها. يُصرح:

“الآن هناك موسيقى وإيقاعات غريبة، وهي بالتالي تُغني كلمات وجمل غريبة، ربما تخدش حياء البعض، يسمونها مؤخرة الكلب، وهي منتشرة بين الشباب الصغير في المدارس والثانويات، وفي النهاية هي موسيقى ويحبون الاستماع إليها، هذا ما يجب الاعتراف به”

ويجب كذلك الإشارة هنا إلى المطرب والملحن الشعبي Mateus Aleluia “ماثيو آلِوِيَا” كواحد من أشهر هؤلاء الذين عملوا على إحياء هذا التراث البرازيلي الخاص في مناطق الشمال، والذي اهتم كثيرًا بما يمكن أن نعتبره تراثًا خاصًا بالفلكلور الأفريقي في باهيا وشمال البرازيل خاصة، إذ يُعتبر علامة من علامات هذا النوع من الفن الشعبي، وله في ذلك الصدد مشروع رائع تم تنفيذه في أنغولا بدعوة من الحكومة الأنغولية في العام 1983 وظل لأكثر من عقدين هُناك قبل أن يعود من جديد إلى البرازيل عبر ألبوماته الغنائية التي تتميز بالطابع الكلاسيكي والفلكلوري، والذي صدر له في عام 2017 ألبوم غنائي يُسمى “Fogueira Doce“.

خاتمة واجبة:

بقى أن نسجل ملاحظة أخيرة في هذا الصدد، والتي صارت أقرب إلى اليقين خلال إعدادنا لهذا المقال، ومن خلال المناقشات والمقابلات التي تمَّ عملها، وتلك الملاحظة تتعلق بقارة إفريقيا السمراء، وكيف لم ولا تتوقف هذه القارة العظيمة عن منح جواهرها السمراء لخدمة العالم والإنسانية في كل المجالات، وكيف استطاع فلكلورها أن يغزو العالم ويصبح مادة حية لا تموت ولو تمّت محاولات لإماتة تلك القارة عبر الاحتلال والاستغلال والإهمال، لكنها خلقت عراقتها من قلب كل تلك المعاناة، واستطاعت أن تقدم للبشرية كثيرًا من الوجوه التي لا تتوقف عن إبهار العالم كلما فتشنا في تاريخ هذا العرق الأسمر الإفريقي.

تحية إجلال واحترام إلى أقدم أرض عرفتها البشرية وإلى أرض الحضارات التي لا تزال تمنح العالم رئة للتنفس والحياة عبر خيراتها وإبداع أولادها وحضاراتها العظيمة التي لم تنل الحق الواجب لها.

 

وأعيد في الختام شكري إلى هؤلاء الذين تعاونوا معي في المقابلات خلال إعداد هذا المقال، وأمتن مرة أخرى إلى (د. هدى بلوم بكور) وأعترف بفضلها في نقل المعاني بالقصائد والأغنيات التي تم قراءتها او الاستماع إليها خلال التسجيلات الخاصة بهذا المقال، وأؤكد ذلك من باب رد الفضل إلى أهله، فهو حق أصيل لها ولهؤلاء جميعًا بإضافاتهم وإضاءاتهم حول موضوع المقال.

مختار سعد شحاته

جامعة UNBE

سالفادور، باهيا/ البرازيل

31 يونيو 2018م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *