fbpx

حكايات ساعة الإفطار (30-30)

النهاية

بقم: إبراهيم عبد المجيد

ظللت لعدة أيام أفكر في الحكاية الأخيرة. تنميت أن يكون رمضان تسعة وعشرين يوما،لأنه بدا لي أني لن أجد حكاية أكتبها. نزلت إلي الشوارع ساعة الإفطار ومشيت فيها. كان الناس يعطونني أكياسا من العصائر وأنا اعتذر مبتسما وأظل أمشي علني أجد شيئا يثيرني. للحظة فكرت إنه لم تعد بي قدرة علي التأثر بما حولي. جفت الينابيع فيما يبدو. في هذه الحالة ابتعد عن الكتابة. يطول الوقت أو يقصر حتي تمتلئ روحي بجديد. حسدت كتاّب المقالات.في كل يوم جديد  حوادث وأحداث. مسرّات وآلام. وثورة تملأ الأرض والفضاء حولهم بالوقائع إلي حد الجنون. قررت أن أكتفي. يعتذر الكاتب عن الحكاية الأخيرة ويتركها لكم. مانشيت جديد. وحبذا لو تركت الصحيفة الصفحة خالية من الكلام، ورسم الفنان سحابة بيضاء حولها فراغ كبير. وهكذا رحت استعد للإفطار. إلا أن جرس الباب دق. من ياتري يأتي ولم يعد أمام مدفع الإفطار غير عشر دقائق. فتحت لأجد البواب أمامي. بدا لي مضطربا أحمر وجهه الأبيض.

– فيه ناس كتير أوي عايزين يطلعوا لحضرتك.

قلت مبتسما:

– يعني ايه؟

– إنزل لهم يا سعادة البيه ما تخليهمش يطلعوا هنا. رجالة وستات. شبان وبنات. فيهم عواجيز كمان. أشكال غريبة ياباشا. دا فيهم ولاد لابسين البنطلونات بتاعة زمان دي اللي كان اسمها شارلستون. وبنات لا بسة قصير خالص. وبوليس كمان وعساكر جيش.

ضحكت. قلت له:

– انت اتجننت ولا حاجة؟

قال في يأس:

– ياباشا بص من البلكونة وانت تشوف.

ذهبت إلي البلكونة ونظرت فلم أجد أحدا بالشارع. كان هو يقف جواري.

– والله ياباشا كانوا هنا. أنا اتكلمت معاهم بنفسي.

ابتسمت وقلت:

– طيب انزل انت. حصل خير. النهاردة آخر يوم في رمضان. أكيد دماغك ضربت.

كاد يحلف فأشرت له بالسكوت. خرج من الشقة وأغلقت الباب مبتسما. تلفت لأجد عددا كبيرا من الناس يجلسون ويقفون في الصالة. احتلوا المقاعد كلها وراحوا ينظرون اليّ نظرات جامدة لا تتحرك فيها عيونهم. بسم الله الرحمن الرحيم. قلت لنفسي. قال أحدهم. أكبرهم سنا:

– نسيتني يا استاذ. أنا برعي اللي كان عامل كشك سجاير علي ترعة المحمودية. انت لسة فاكر حكاية رباعيات الخيام. أنا مت من زمان. والله يكرمك خليت الناس كلها تعرفني.

وقفت غير قادر علي الكلام. تقدم آخر مني وقال:

– لا يمكن أن تكون نسيتني مرة ثانية. أنا زكريا أحمد ظابط أمن الدولة اللي قلت عليه غلبان. أنا كمان مت. بس ميتة ربنا. ياريت كان حد قتلني بدري. لكن ربنا اداني العمر علشان اتعذب. علي أي حال أشكرك إنك كتبت عني.

صرخت فيهم:

– انتم مين؟

انطلقوا يضحكون. قالوا في صوت واحد:

– إحنا ابطال الحكايات اللي انت كتبتها. يزعلك إننا نشوفك ونعزمك علي فطار كمان.

لم أرد. رحت اتفرس في وجوههم أبحث عمن أعرفهم شخصيا وقابلتهم في حياتي  وهم الأكثر، وعمن خلقتهم  من مخيلتي. لم أستطع.  قالوا من جديد في صوت واحد:

– ممكن نفطر معاك هنا بس أكيد ما عندكش أكل يكفينا. فاضل دقيقة علي المدفع. اتفضل معانا علشان نلحق.حتفطر وترجع علي طول. نرد لك الجميل.

أخذوني بينهم. أحاطوني وابتسمت لي النساء والفتيات علي قلتهم.وقبل أن أتكلم وجدت نفسي معهم وسط غوطة كبيرة كلها أشجار فاكهة.

– أنا فين؟

قلت لنفسي بصوت خفيض.

– في الجنة.

كانوا لا يزالون حولي. لكنهم  صاروا عراة إلا من ورقة توت تستر كلا منهم. والنساء أيضا كن كذلك. ليتني كتبت عن نساء كثيرات وفتيات أكثر. من يكره أن يري نهودا صغيرة وسط هذه الجنة حقا! وعلي الأرض امتد بساط من سندس وفوقه أطعمة وفاكهة وخمر. جلسوا جميعا وجلست بينهم فرأيت نفسي عاريا مثلهم إلا من ورقة التوت. لكن الذي أدهشني أننا جميعا صرنا في عمر الشباب.أكلنا حتي شبعنا وقالوا معا.

– ما رأيك. تظل معنا أم تعود الي البيت؟

 قبل أن اتكلم وقفت ثلاث فتيات ورحن يصببن لنا الخمر في كؤوس من عقيق. رحت أنظر إلي عينيّ التي تصب لي، وهي ابتسمت وراحت تنظر إليّ حتي امتلا الكأس دون ان تدري، وانسكب علي يدي وعلي البساط. انتبهت وانصرفت. قمت وراءها. نسيت الجميع وهي راحت تتقدم في الأدغال حتي إذا لحقت بها قالت لي:

– من هنا طريق العودة.

قلت شاردا:

– أنا لا أذكر من أين جئت. ولا إلي أي مكان أعود.

قالت:

– أنا أعرف.

– هل ستأتين معي؟

– إذا أردت.أنت الذي جعلتني أموت، وأنت الذي تستطيع أن تعيدني الي الحياة.

ارتبكت.وكانت جميلة بشكل لا يحتمل. قلت لها:

– هل يمكن لي البقا ء معكم؟

قالت:

– إذا أردت.

– نعود إليهم وأفكر ماذا أفعل.

عدنا اليهم. وجدتهم علي حالة من النشوة والسعادة لا يمكن تخيلها. ترتفع ضحكاتهم تملأ الفضاء.

قال أحدهم:

– يمكن أن تبقي معنا  لكن لن تجد شيئا تكتبه. كل الناس هنا سعداء.

وقفت أفكر ثم قلت:

– هل كل من أكتب عنهم يأتون الي هنا؟

– طبعا.

– هل يضايقكم أن يأتي إليكم آخرون؟

– لا. حتي الأشرار يصبحون أخيارا هنا.

– إذن دعوني أعود.

– ستصحبك أجمل من كتبت عنهم. تلك التي أبكت حكاية موتها وفراقها لزوجها وأولادها كل من قرأها.

صحبتني الفتاة التي كانت معي في الأدغال. جرت فجريت معها. ما إن دخلنا إلي الغابة حتي  انتهت ووجدت نفسي في بيتي  وهي معي وكل منا في كامل ملايسه. قالت في تصميم:

– لن أعود إلي هناك.أريد أن أري زوجي وولدىّ. أنت الذي جعلت المرض يأخذني مبكرا.  أنا أحب زوجي ولا أنساه. وكما أني دائما معه هو أيضا دائما معي. وهو لا يزال يتألم وأخشي ان يلحق بي. أجل. لابد أن أذهب  إليه.

قلت في حيرة:

– صدقيني انا لا أعرف زوجك ولا مكانه.

– أنت الذي ألفت الحكاية كلها، وأنت هكذا تعرف أين أجده.

وقفت مندهشا ورأيت دمعة علي خدها.

– لماذا حقا لم تتركني معه.أرجوك اجمع بيننا من جديد.

 لم أجد لدي طاقة علي الكلام. أخذتها من يدها ورحت أمشي بها بين شوارع المدينة أبحث عن بيت لا أعرفه. وأعرف أنه لن تعود اليّ القدرة للعودة إلي بيتي إلا إذا عادت إليّ القدرة علي التأليف فأنهي الحكاية.

 

 

أنتهت الحكايات 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *