fbpx

حكايات ساعة الإفطار (29-30)

حكايات ساعة الإفطار

إفطار في ميدان التحرير

بقلم:إبراهيم عبد المجيد

ثلاث فتيات ذهبن للإفطار في ميدان التحرير. أمضين النهار يكتبن الشعارات التي سيهتفن بها. كان أبرزها «لاعسكرية ولا دينية.. مدنية مدنية». نزلن من الميكروباص في موقف عبد المنعم رياض. مشين إلي الميدان تحمل كل منهن حقيبة بلاستيك بها إفطار يكفيها وزيادة. فضلا عن أكثر من زجاجة مياه معدنية صغيرة وأكثر من علبة بيبسي.

– يارب يكون فيه عدد كتيرالجمعة دي.

قالت نجلاء ثم أضافت:

–  لأن لو العدد قليل حيضربونا زي الجمعة اللي فاتت.

قالت شيماء:

– إن شاء الله حيكون العدد كتير رغم اللي قعدت تنشره الجرايد عن انسحاب  الأحزاب والائتلافات.

قالت مريم:

– كتير قليل. النهاردة ياقاتل يامقتول.

ضحكن واقتربن من الميدان. كانت قوات الشرطة العسكرية تحيط بالصينية التي تتوسطه، وعلي كل طرف من أطرافه البعيدة  تقف إحدي الدبابات. المتجمعون  يقفون علي الرصيف وجواره، ويقفون أيضا عند الصينية الأصغر.مثلث هو في الحقيقة مرتفع عن الأرض يفصل الطريق إلي شارع رمسيس إلي قسمين. قسم منهما يمكن لمن فيه أن يدور إلي كوبري قصر النيل. كما يقفون أمام مجمع التحرير بعيدا عن الساحة التي أمامه، والتي يشغلها جنود الأمن المركزي والشرطة العسكرية. وضح لهن أن المجتمعين الذين جاءوا للإفطار لإظهار احتجاجهم علي المحاكمات العسكرية للثوار، سوف يكونون دائما جوار الأرصفة أو عليها، ولن تسمح قوات الشرطة لهم أن يشغلوا الشوارع حتي لاتتعطل حركة السيارات. وبالفعل كانت هناك سيارات لازالت تمر مسرعة. إشارات المرور تقريبا لا يقف عليها أحد من الجنود. جلست شيماء علي حافة المثلث  الصغير الذي يقسم الطريق الي شارع رمسيس  مع زميلاتها. وجدن كثيرا من الأصدقاء والصديقات. وكثيرا ممن لم يقابلهن من قبل. من يستطيع أن يعرف كل النا س في ميدان التحرير! كانت شيماء تتطلع إلي عساكر الشرطة العسكرية وتندهش. دقائق وينطلق مدفع الإفطار ولا أحد مرّ عليهم بطعام أو شراب. قالت:

– معقول مش حيفطروا!؟

ردت نجلاء:

– صحيح. دا ما فيش حتي واحد ماسك قزازة مية.

قالت مريم:

– إحنا لازم نعمل حاجة. لازم نديلهم أكل ومية.

ولم تنتظر إجابة. وقفت وهتفت:

– ياجماعة عساكر الشرطة العسكرية واقفين طول النهار والمدفع قرب يضرب وماحدش إداهم لا أكل ولا شرب.

قال أحد الشباب:

– وعساكر الأمن المركزي وحياتك. مع إن يوم 28 يناير وزعوا عليهم وجبات من كنتاكي وقالوا علينا احنا اللي بناكل منها.

.قالت مريم:

– مين يقوم معايا نوزع عليهم أي حاجة؟

قال نفس الشاب:

– توزعي علي مين ولا مين. دا عساكر الشرطة العسكرية  وراهم عساكر أمن مركزي مش باينين علشان قاعدين علي الأرض.

– معلش  ما ينفعش نفطر وهما واقفين جعانين.

قالت إحدي الفتيات  ضاحكة:

– خدوا الصينية وما طبخوش أي حاجة! طيب يسيبوا لنا الصينية ويشوفوا حنأكلهم ازاي!.  ضحك الكثيرون. وكان عد كبير منهم قد راح يقدم لمريم وشيماء ونجلاء اللاتي وقفن معها، بعضا من الساندوتشات وزجاجات المياه والبيبسي. وقف معهم الشاب الذي تكلم من قبل، ثم شاب ثاني فثالث،وتوجه الجميع ناحية الجنود،وراحوا يمدون لهم أياديهم بالأكل والماء والبيبسي. لم يتحرك الجنود. لاحظ الشباب إنه لا يوجد ضباط. قالت مريم للجندي أمامها:

– اتفضل. والله أكل بيتي ونضيف. والمية معدنية والبيبس كانز. ماتخافش خالص.

لكن الجندي وقف كما هولا يتحرك. قالت شيماء:

– اتفضلو ا. ولو عايزين برضه تضربونا بعد كده اضربونا  مش حنزعل منكم.  ابتسم عدد من الجنود وقالت نجلاء:

– عارفين إنها  أوامرليكم.

بدا علي الجنود الرغبة في تناول ما يقدمه الشباب، لكن بدا أيضا أن الخوف يكبّلهم، وإذا بواحد منهم يقول هامسا:

– خد ياله. العميد مشي والظباط. أنا حاخد.

ومد يده ففعل الآخرون مثله، وراحت الفتيات الثلاث ومعهن الشبان الثلاثة يدورون أمام الجنود بالطعام حتي إذا نفد أسرع الشباب إلي الجالسين علي الأرصفة والأرض وأحضروا منهم كميات أخري يعطونها للبنات اللاتي يدرن مع الصينية الواسعة الكبيرة يوزعنه علي الجنود.

 إنطلق مدفع الإفطار ولم يكنّ قد أتممن الدوران بعد. وبدا أن الصينية كبيرة لا تنتهي. قام جنود الأمن المركزي الجالسين خلف جنود الشرطة العسكرية وتقدموا يقفون بينهم، والشباب يروح ويجيئ بالطعام، وفي كل مرة يقلّ ما يعودون به إلي الجنود،والفتيات الثلاث يصممن علي الانتهاء من إطعام الجميع حتي إذا عادوا جميعا، البنات والصبيان،الي مكانهم بين المجتمعين، لم يجدوا طعاما باقيا مع أحد.  شربوا ما تبقي من المياه والعصائر وجلسوا علي الأرض يضحكون. أخرجت مريم الورقة التي بها الشعارات التي سيهتفون بها الليلة، فرآها أحد الشباب الثلاثة الذين صحبوهن. إبتسم وقال لها:

– كل دي شعارات حتهتفي بيها  ومن غير فطار؟.

 ابتسمت فقال من جديد:

– ممكن عنك انتي. أنا صحتي كويسة ومتعود علي الجوع.

 ضحكوا جميعا. وقدمت له الورقة وعيناها لا تتوقفان عن النظر إليه. لكنه قال:

– أنا بسرعة حاشتري لكم ست علب كشري. أيوة. علشان نستحمل الضرب. مش معقول كمان ننضرب واحنا جعانين.

وارتفعت من جديد ضحكاتهم في الفضاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *