fbpx

حكايات ساعة الإفطار (28-30)

حكايات ساعة الإفطار

تحيا الشيوعية!!

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

ليس لأي سبب من احتياج.  هكذا طقت الفكرة في رأس طارق المرشد السياحي.طاف بالوفد المكون من عشرة رجال ونساء من روسيا  في خان الخليلي وشوارع الحسين. كان يعرف منذ اليوم الأول لمرافقتهم إنهم ليسوا مثل سياح إنجلترا أو فرنسا مثلا. هؤلاء فقراء السياح. لقد انتهي عهد الجمهوريات السوفيتية حقا منذ سنوات، لكن لاتزال الحياة الاجتماعية والاقتصادية يشوبها الفقر قياسا علي دول أوربا  الأخري. كان خوفه فقط من جمال النساء. خمس نساء وخمسة رجال. كيف يمكن لهذه النساء الجميلات أن يجلسن علي مائدة رحمن. هل لن يثير جمالهن أحد؟

كان كل أعضاء الوفد لايعرفون لغة غير اللغة الروسية. إذن لن يستطيع أحد أن يخبرهم بالحقيقة. كانوا ينزلون في فندق نجمتان في شارع عرابي، وكانوا دائما مستعدين للمشي أكثر من استخدام التاكسي ويساعدهم أن الجو شتاء. رغم ذلك كانت النساء ترتدي ملابس تكشف عن أذرعهن وأعلي صدورهن وظهورهن. هذه مشكلة أخري. لكنه توكل علي الله وقرر أن يفعل فعلته. قال لهم:

– ما رأيكم ان نؤجل الغداء إلي الساعة الخامسة؟

– لماذا؟

– سأصحبكم الي مائدة مصرية جدا. شعبية ورخيصة. لن يتكلف الفرد أكثر من عشرة دولارات. وستأكلون أكلا مصريا  صميما.

– أي أكل؟

– سأشرح لكم كل الأصناف بعد أن نصل الي هناك. لا تقلقوا.

 وافقوا سعداء. وانتهت جولتهم في حي الحسين وخان الخليلي. لم يشتروا أشياء لها قيمة. كان يدخل بهم المحلات محرجا ويخفي ضيقه فما يشترونه مهما غالي فيه البائع في ثمنه لن يكون له نصيب- عمولة – لها قيمة. لكن هكذا شاء حظه في الشركة السياحية التي عمل بها. لقد تصور أن معرفته بالروسية  ستجعله مميزا. لكن كل الوفود الروسية فقيرة. في الرابعة والنصف قرر أن يذهب بهم إلي مائدة في وسط البلد، بعيدا عن حي الحسين. هم الآن مرهقين ولن ينتبهوا إلي شيئ. حصّل من كل منهم عشرة دولارات ومشي أمامهم في شارع الأزهر. صوت القران الكريم يرتفع حوله من كل مكان. موائد الرحمن تصف تحت كوبري الدراسة. موائد صغيرة لأن أكثر الأماكن تحت الكوبري صارت مشغولة بالسيارات والبضائع. يريد أن يختصر الطريق الآن وليس مهما أن  يصل إلي نصف البلد. وبالفعل رأي مائدة يبدو من فرشها إنها أفضل من غيرها. اقترب من أحد المنظمين للمائدة بدا له هو المعلم ووقف يهمس له:

– معايا وفد مسلمين من روسيا، عايزين ياكلوا في مائدة رحمن. عايزين يحسوا برمضان في مصر.

إرتاب الرجل قليلا ثم  سأله؟

– يعني هما فقرا أوي كده؟

– انت عارف روسيا يامعلم. الشيوعية ماخلتش حيلتهم حاجة.

قال الرجل مشفقا بحق:

– الله يخرب بيت الشيوعية علي اللي عملها. معقول النسوان الحلوة دي تتبهدل كده؟ بس دول لابسين عريان يبقى صايمين ازاي،وكمان في الشتا هما ما بيحسوش؟

– معلش يامعلم سلو بلدهم.

هزّ المعلم رأسه ونادي علي أحد الصبيان أن يصفّ أكثر من منضدة أخري لهم. وأن يهتم بكل شيئ، وبالذات نظافة الصحون والملاعق والأكواب.

كان الجالسون في انتظار المدفع من العاملين في المحلات  تقريبا. كانوا لا يوحون بفقر كالذي تجده عادة في الموائد الرحمانية. جلس الروس سعداء وبدأ أحد العمال وفتاة صغيرة معه يضعان الطعام أمامهم. كلما حاول أحدهم أن يمد يده يأكل شيئا يقول له طارق بالروسية أن ينتظر حتي يأكل مع الجميع.وأن هذه عادة مصرية في الأماكن الشعبية.قال له أحدهم فجأة:

– مطاعم كتير في الشارع. ما قريناش عنها في الدليل السياحي.

إرتبك طارق وقال بالروسية بعد تردد:

–  هي موجودة في دليل عاملاه وزارة الثقافة. وزارة السياحة شغلها مش كويس. دا تراث ثقافي من أيام المماليك.

ابتسمت النساء وهز الرجال رؤوسهم،وكان كل من يجلسون من المصريين لا يرفعون عيونهم عن أجسام السيدات الظاهرة. راح طارق يشرح لهم ماهي المسقعة وماهي الملوخية وماهو المحشي وبالذات ورق العنب وماهو بابا غنوج وماهو العناب والتمر هندي وهم سعداء. انطلق مدفع الإفطار فبدأ الرواد االطبيعيون يأكلون وأشار لهم طارق بالأكل. راحو بدورهم يأكلون وهويلاحقهم بالكلام عن عبقرية الطهو الشعبي المصري، وكل من كان له ملاحظة أغفلها لانهم جاعو جدا وراحوا يأكلون. انتهت الجلسة علي خير ووقف فوقفوا معه. صافح صاحب المائدة الذي صافح بدوره الوفد قائلا:

– نورتوا مصر. كان نفسي يكون فيه لحمة أكتر من كده.

وهو ترجم لهم الجملة الأولي فقط. فوجئ صاحب المائدة بالنساء تقبله علي خده وانصرف طارق بهم وهتف أحد العاملين:

– أحلي فطار  يامعلم.

فقال المعلم:

– علي النعمة هيا دي نعمة ربنا بجد. تحيا مصر وتحيا  الشيوعية اللي فقرت الناس الحلوة دي وجابتهم مائدة رحمن.

وكان طارق قد ابتعد بالوفد يضحك. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *