fbpx

حكايات ساعة الإفطار (27-30)

حكايات ساعة الإفطار

سيبك منه خليك في حالك!!

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

سعيد تعود أن يصلي المغرب قبل أن يتناول طعام الإفطار. ينطلق المدفع فيتناول بسرعة كوبا صغيرا  من عصير قمر الدين أو  أي عصير في المنزل، ثم يخرج الي الجامع المواجه للبيت. يقول أن الإفطار بعد الصلاة له طعم آخر. كان أبوه يفعل ذلك ومنه تعلم هذه العادة.

رأي سعيد شيوخا كثيرين تعاقبوا علي الجامع من أهل المنطقة. كلهم كانوا لا يطيلون الخطبة يوم الجمعة، ولا يطيلون الصلاة في أي وقت.سعيد الآن مثلي في الستين من العمر. دعاني إلي الإفطار عنده في رمضان حين عرف أني مسافر الي القاهرة لقضاء بعض الأعمال. هو أصلا بلدياتي من المحلة الكبري التي تركها الي القاهرة وراء العمل.لا تنقطع زياراتي له حين أزور القاهرة. في رمضان يكون الأمر مختلفا. 

يكون إلحاحه عليّ لزيارته كبيرا.وفي كل مرة بعد الإفطار نخرج معا الي مقاهي الحسين. في السنوات الأخيرة لم نعد نفعل ذلك. إذا ذهبت اليه أتناول الإفطار معه ومع أسرته، ثم نسهر في الشقة نفسها حتي السحور وننام. 

هرمنا ولم تعد بنا قدرة علي السهر في الزحام الذي صار لا يطاق في القاهرة. حين ذهبت إليه هذه المرة بعد انقطاع ثلاث سنوات وجدته متعبا. جالس أمام التليفزيون يتفرج بشغف علي برامج الإطفال التي تسبق مدفع الإفطار في بعض القنوات. سألني عن أحوال الأسرة فقلت بخير. وسألته عن صحته فقال إنه يعاني من آلام مزمنة في الظهر ولا يريد إجراء أي عملية. يتحايل علي الآلام  بالدهانات والحقن لكنه يرفض العملية. بعض الإطباء حذروه منها وبعضهم شجعوه عليها وضحك وقال:

– طيب أصدق مين فيهم؟

 ضحكنا وكانت ضحكته كما عهدتها منه طول العمر عالية صافية. دخلت زوجته وقالت لي:

– عاجبك كده يا استاذ أحمد. لسة مصمم يصلي في الجامع وضهره بيوحعه. ربنا ادي للمريض رخصة إن شالله يصلي وهو قاعد،  لكن جوزي  ما فيش فايدة دماغه ناشفة.

وضحكت وقال هو:

– خلاص خلاص مش رايح. إعملي لنا شاي ولا حاجة.

 نظرت الينا مبتسمة فقال:

– آه صحيح لسة ما فطرناش.

ضحكنا وقلت له أن زوجته علي حق ثم سألته:

– لكن للدرجة دي الصلاة في الجامع بتتعبك؟

سكت لحظة وقال:

– الشيخ هو اللي تاعبني.

– أي شيخ؟

– شيخ الجامع. أنا مش فاهم ازاي بيعمل كده.

ابتسمت مندهشا وقلت:

– بيعمل إيه؟

– بقاله سنين كل جمعة يقول «اللهم العن اليهود والنصاري». والمصيبة إن العمارة اللي جنب الجامع تقريبا كلها نصاري.

– حصل مشكلة؟

– لا. عزّلوا من الحتة كلهم.

كدت أضحك لكنه قال:

– كان فيهم ناس عزاز عليّ أوي.لكن مش دي المشكلة.

اندهشت أكثر وسألته:

– فيه أكتر من كده؟

هز راسه وقال:

– يوم الجمعة بيطول في الخطبة أوي ويطول في الصلاة كمان.

– طيب حد يوجهه بس. ينبهه إن فيه ناس تعبانة وخلاص.

– ما بقتش أصلي الجمعة في الجامع ده. الجامع التاني بعيد شوية بس مش مشكلة لسة باقدر امشي.

– طيب كده خلاص. مافيش مشكلة.

– انت عارف اني باحب اصلي المغرب وبعدين ارجع أفطر.  أروح جامع بعيد والا قريب؟ طبعا قريب علشان الحق ارجع آكل مع ولادي اللي بيستنوني.

وسكت  لحظات ثم قال كأنه يحدث نفسه «ركبني ذنب منه لله»

ابتسمت وقلت:

– حصل إيه.؟

-استحملت الكام يوم اللي فاتو لحد امبارح.

– استحملت إيه؟

– الصلاة وراه طبعا. ياراجل دا بيطول في الركوع. عارف يعني إيه الركوع؟. لو السجود ممكن نتحمل أهي دماغ الواحد علي الارض وساند علي الارض كمان بإيديه، لكن بيطول في الركوع وضهري مكسور!!

وسكت من جديد وبدا في أسف حقيقي، ثم راح يكلم نفسه من جديد:

– ركبني ذنب منه  لله.

– حصل إيه بس يا سعيد؟ اتخانقت معاه؟

– ياريت.

– كلمته وغلط فيك؟

– ياريت.

– الله.. طيب حصل إيه ياجدع؟

وعادت زوجته إلينا ضاحكة وقالت:

–  إحكي للأستاذ احمد عن اللي حصل. والله ماحصل حاجة وربنا حيغفرلك.

توقعت أن يكون سعيد قد فعل شيئا مضحكا لا شيئا جادا. إبتسمت وسألته:

– بجد عملت إيه؟

– إمبارح طوّل أوي في الركوع وضهري تاعبني جدا ومش سامع بيقول إيه من الالم. كنت حاقع. لاقيت نفسي باقول للي جنبي هو بيقول إيه الراجل بن الكلب  ده؟

انطلقت أضحك غير مصدق. وهو بدوره راح يضحك وزوجته لا تزال واقفة تضحك وقالت:

– استني يا استاذ أحمد شوف اللي جنبه قال إيه.

قلت مندهشا:

– اللي جنبك رد عليك؟

 نظر اليّ سعيد نظرة طويلة تألقت فيها عيناه، وقال وهويحاول أن يمنع نفسه من الضحك:

– اللي جنبي رد عليا وقال لي سيبك منه خليك في حالك دا راجل ابن…..   وشتم الراجل الشيخ.

لم استطع السيطرة علي نفسي من الضحك. وقالت زوجته:

– غلطان هو والنبي كده والا اللي جنبه؟

لكني ظللت أضحك للحظات، وانطلق مدفع الإفطار، فوقف ومد يده سحب المصلية من ركن جوار الحائط وفردها علي الأرض  ووقفنا نصلي معا  وخرجت زوجته من الغرفة تنتظرنا مع الأولاد في الصالة لتناول الطعام. 

سألني:

– تصلي أنت بينا؟

قلت مبتسما:

 

– لا. حضرتك النهاردة الإمام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *