fbpx

حكايات ساعة الإفطار (26-30)

صورة الديكتاتور

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

هل حدث ذلك كله لأنه رأي صورة الديكتاتور؟ لا يستطيع أن يقرر بالضبط.كان قد تعود أن يعود إلي بيته في الساعة الأخيرة قبل موعد الإفطار. قبل ذلك تكون كل الطرق مزدحمة. في الساعة الأخيرة لا يبقي إلا القليل من الناس يسرعون في المواصلات الخاصة أو العامة وتتسع لهم الطرق. 

ورغم أن ذلك كثيرا ما يخيفه بسبب التهور في السرعة، إلا إنه رغم هذا الخوف لم ينقطع عن عادته ودائما ربنا يسلم، خصوصا أن بيته داخل المدينة، ومن ثم لا يحتاج إلي سرعة كبيرة كما يحدث علي الطرق السريعة.

جلس علي المقهي الذي تعود أن يجلس عليه. لكنه اليوم رأي علي جدار المقهي صورة جديدة لحاكم البلاد. صورة كبيرة يبدو فيها وجه الحاكم نضرا قويا لا يوحي بأي انفعال. صدره عريض لكنه مثل حائط صلد أملس بلا أي تعرجات حتي بدت له الجاكت والقميص والكرافتة التي يرتديها شيئا واحدا مع صدره. 

نظر إلي الصورة وإلي الجالسين في الركن. هؤلاء الفاطرين في رمضان الذين يبدون متخفين حيث لا تفتح المقهي بابها إلا قليلا حتي لا يراهم أحد. هو صائم لكنه زبون قديم للمقهي لذلك يدخلها بلا حرج أن لا يطلب شيئا. يبتسم والجرسون الشاب الصعيدي الأسمر يقول له دائما « حضرتك بتحب تاخد زنوب علي الفاضي. أيوة. بتيجي هنا تقعد وسط الفاطرين وما تطلبش حاجة. اكيد بتتحسب عند ربنا معاهم» يضحك من هذا الحوار الذي يتكرر منذ سنوات وكل يوم في رمضان ويردف الجرسون دائما:

– يا استاذ افطر علشان يبقي حسابك يوم القيامة علي أصوله بحق وحقيق.

يضحك أيضاً واليوم سأله:

– إيه الصورة دي؟

– بتوع المحافظة ياسيدي وزعوها علينا بمناسبة وصوله لسن التلاتين.

إنطلق يضحك بقوة فقال الجرسون:

– قصدي بمناسبة وصوله في الحكم لتلاتين سنة. مش هما تلاتين برضه. أصل أنا عندي خمسة وعشرين. حضرتك أكيد أدري مني.

ابتسم وجلس قليلا لا يستطيع ان يمنع نفسه من النظر إلي صورة الديكتاتور بين وقت وآخر، ثم وقف خارجا وركب سيارته إلي بيته.

 

لدهشته وجد الشوارع خالية إلا منه وسيارته. ابتسم مندهشا لا يصدق كل هذا الخلاء والصمت. وللحظة انتبه إلي إنه لا يسمع حتي صوتا لمقرئ للقرآن الكريم من أي مكان. كان الوقت شتاء لكنه رأي الشمس لا تزال عالية في الفضاء. ليس هذا هو الشتاء الذي يعرفه. ضوء الشمس حوله يجعل الفضاء أكثر اتساعا. 

ورأي علي جانبي الطرق مئات السيارات واقفة جوار الأرصفة. لا أحد في الطريق حوله أو أمامه أو وراءه. هل عاد الناس إلي بيوتهم وتركوه وحده. نظر في ساعة السيارة فوجدها الرابعة والنصف. لا تزال هناك نصف ساعة علي مدفع الافطار. أين اختفي الناس؟. لم تطل دهشته وتوقف تاركا السيارة لينظر حوله فلم يري أحدا. هل هذا طريقه المعتاد إلي البيت حقا؟ مشي قليلا ونظر خلفه فوجد نفسه قد ابتعد كثيرا عن السيارة. لم يشغله ذلك فهو يعرف أنه تركها أمام بنك شهير. مشي أكثر إلي الأمام وفجاة رأ ي أمامه جدارا  يرتفع عن الأرض يغلق الشارع. دعك عينيه ليتاكد مما يري فرأي الجدار الذي ارتفع حقيقة  واضحة. هز رأسه ربما يحلم لكنه عاد يري الجدار. ابتسم وأخذ طريقه إلي الخلف عائدا إلي سيارته. مشي قليلا فارتفع أمامه جدار جديد يسد طريق العودة. ما الذي يحدث له أو معه. يتاكد الآن أنه بالفعل قريب جدا من بيته. بل ركن سيارته أمام البيت وليس أمام البنك. 

هذا الشارع الجانبي يمكن أن يصل به إلي البيت. دخل فيه فرحا وخاصة أن الشارع يبدو خاليا أمامه. أسرع حتي ينتهي منه ويدور إلي بيته، وعند نهاية الشارع قام جدار جديد أكثر ارتفاعا أمامه. خرج الجدار من الأرض في لحظة واحدة ولم تهتز البيوت أو تقع. وقف حائرا يكاد يصرخ. راح ينظر إلي الجدار غير مصدق.  كاد يتهاوي علي الأرض  لكنه تماسك واستدار ومشي يائسا للحظات والشارع الخالي يمتد أمامه من الناحية الأخري.هذه فرصته الاخيرة فليسرع. أسرع وقبل نهاية الشارع قام من الأرض جدار جديد. تراجع في فزع وتهاوي جالسا علي الرصيف واضعا رأسه بين ذراعيه وفوق ركبتيه. 

ما يحدث معه ليس حقيقة. هذه هلاوس حقيقية. سوف يجن. لكن الجدار أمامه في كل ناحية. لم تعد هناك حتي بيوت علي الجانبين. صار الآن بين أربع جدران عالية. ولدهشته لم يعد في السماء شمس ولا ضوء. والليل أيضا لم يأت. ماحوله الآ ليس نورا ولا ظلاما. سديم لم يكن قبله زمان ولا بشر. ونظر إلي ساعته فوجدها السادسة. انطلق مدفع الإفطار ولم يسمعه. الآن وكما يحدث كل يوم يكون الناس قد انتهوا من طعامهم. والموبايل الذي يحمله صامت. نظر فيه فوجده خارج الخدمة. لا يعرف له أحد مكانا الآن وهو الوحيد الذي يعرف أنه كان قريبا من بيته. فجأة اتسعت عيناه علي فكرة. أيكون كل ذلك لأنه رأي صورة الديكتاتور معلقة في المقهي. رفع رأسه فوجد أعلي كل الجدران صور الديكتاتور تنظر إليه ضاحكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *