fbpx

حكايات ساعة الإفطار (25-30)

حكايات ساعة الإفطار

شيزوفرينيا ولكن!

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

كان ما يشغله حين سافر إلي باريس هذه المرة، هو أن الزيارة تأتي مع بداية شهر رمضان.  هل يفطر وفقا للوقت في مصر أم في باريس.

تذكر حكاية عن المسلمين في النرويج حين يتأخر غروب الشمس أحيانا  حتي منتصف الليل، مما دعاهم إلي سؤال أحد الشيوخ الذي أفتي لهم أن يفطروا وفقا لمغيب الشمس في أقرب دولة إسلامية، فراحوا يفطرون وفقا لتوقيت تركيا. الأمر في باريس أسهل، ففرق التوقيت الآن ساعتان لأن في مصر يعتمدون التوقيت الصيفي. الإفطار في مصر الساعة السابعة والنصف.

وهي تساوي في باريس الخامسة والنصف.  لكنه أدرك أنه لابد أن يفطر علي غروب الشمس في باريس. ماذا يفعل الآن والشمس يتأخر غروبها كثيرا في الصيف. السابعة والنصف ليس موعد المغرب. بل علي الأقل الثامنة والنصف. غروب الشمس وظهورها ليس له علاقة بفروق التوقيت. قرر أن يأكل في  السابعة والنصف حتي لو لم تغرب الشمس.

هكذا يسّر الشيخ علي المسلمين في النرويج فلماذا يعسّر علي نفسه؟ في الحي اللاتيني سيكتشف ناس من كل الملل. ثم إنه يعرف مطعما يديره ويملكه مصري ربما يجد عنده بعض الاستعدادات ولو قليلة لشهر رمضان.  ذهب إلي هذا المطعم يوم وصوله فلم يجد عنده أي استعدادات. هو مطعم لساندوتشات الشاورمة لا أكثر. إلا أن صاحبه قدم له عصير المانجو الموجود دائما مع غيره من العصائر، وضاعف له كمية السلاطة. أما الحلويات فليس أكثر منها في باريس. يستطيع أن يجلس علي أي مقهي ويطلب منها ما يشاء. لكن لماذا تصوم في باريس حقا؟ الست علي سفر؟ هكذا سأله صاحب المطعم المصري الشاب وبدا يتكلم جادا. لم يشأ أن يقول له أن هذا ليس بالسفر.

الرحلة بالطائرة ليست مرهقة إرهاق البعير. ابتسم له وقرر أن لا يأكل عنده في هذه الزيارة.

في اليوم الثاني كانت هناك ندوة في الساعة السابعة. لا يستطيع أن يترك الندوة من أجل الإفطار. ستنتهي في التاسعة وسيتم دعوة الجميع إلي عشاء في مطعم تركي كبير. فليتحمل.يستطيع في السابعة والنصف أن يطلب اي شيئ يشربه حتي تنتهي الندوة فيكون العشاء هو فطوره. واستطاع أن يصمد.

كان العشاء رائعا. كباب وكفته  ودجاج  وطبعا ما شئت من المشهيات العربية الشامية والتركية، والجلوس علي الأرض المفروشة بالسجاد، وخلف الجالسين وسائد شرقية، وأمامهم طبالي وليس مناضد، وعلي كل طبلية شيشة كبيرة يخرج منها ثلاث  ليّات، أي يمكن أن يستخدمها ثلاثة في وقت واحد. وكانت زجاجات الخمر بين الجميع لكنه لم يشرب. كانت هناك راقصة جزائرية شابة قدمت فاصلا من الرقص الشرقي البديع أمامهم وبينهم قبل العشاء. ما أن انتهت  حتي اختارت أن تجلس إلي جواره. سألت الجرسون التركي حين اقترب يسألها عما تريد أن تشرب من خمر، هل اللحم حلال؟ تقصد مذبوح علي الطريقة الإسلامية، فقال ضاحكا أنه مسلم واسمه ميميد يعني محمد. ابتسمت واعتذرت عن أي شراب ثم نظرت إليه وسألته:

– لماذا لا تشرب النبيذ؟

– انا مسلم مثلك وصائم أيضا. أتناول افطاري الآن.

قالت.

– أنا أيضا صائمة. العمل كل ليلة يؤخر فطوري لكن اعتبر ذلك ثوابا. اليس كذلك؟

هز رأسه مبتسما ولم يجب فسألته:

– هل أعجبك رقصي؟

– جميل سريع الإيقاع.. لقد أحسست به رقصا جبليا أكثر منه شرقيا.

قالت أنها من منطقة جبلية حقا في الجزائر،وهكذا يكون الرقص هناك ثم سألته:

– هل لو أتيت أجد فرصة للرقص في مصر؟

– أجل. بسرعة. فرقصك سيكون جديدا علي الملاهي الليلية المصرية.

علت البهجة وجهها وسألته:

– أريد ايضا أن التحق بالأزهر.

 نظر إليها مندهشا وابتسم وقال:

– ماذا تقولين. الأزهر؟

قالت:

– أجل. أريد أن أدرس علوم القرآن.  جدي في الجزائر كان يحب القرآن.

إبتسم مرة أخري وبدا مشفقا عليها إذ أحس بصدق سؤالها.

– صعب. إما الرقص وإما علوم القران!

– لماذا؟ الدراسة ستكون بالنهار  والرقص بالليل.

 ارتبك جدا ولم يعرف بم يجيب. هل يقول لها مثلا ماذا يعني الرقص في الملاهي الليلية، وما قد يجره من أعمال أخري. قال:

– صعب أن تجمعي بين العملين.

– قلت لك سيكون الرقص ليلا والدراسة بالأزهر نهارا.

أحاط كتفيها بذراعه وضمها اليه. لاحظ أنها صغيرة جدا، وليست كما كانت تبدو وهي ترقص، رغم أنها لم تخلع بدلة الرقص بعد. إلا أن البدلة لم تكن تظهر شيئا كثيرا من ساقيها. ربّت علي كتفها وسألها:

– كم عمرك؟

– اتنين وعشرين. كبيرة؟

– علي العكس صغيرة جدا وربما كان هذا سببا ثانيا. ما رأيك لو أتيتي للعمل في مهنة أخري.

– أنا أعشق الرقص وسأكون نجمة في يوم ما.

قال مشفقا:

– الرقص في الملاهي الليلية في مصر ينتهي عادة مع  نور الصباح.

سكتت قليلا وبدا عليها الأسف وقالت:

– خسارة. أنا أسمع عن مصر كتير. بلد  حلو.

لم يرد. ابتسمت وقالت:

– استطيع أن أتدبر أمر الوقت.

قال ليحسم الأمر:

– سيطلبون أوراقك في الأزهر، ويجدون إنك راقصة فلا يسمحون لك بالدراسة.

أصابتها دهشة كبيرة وسألته:

-هل الرقص حرام؟

لم يرد. أدرك فجأة كم هي جميلة الوجه والعينين. قال لها:

– غدا ليس عندي شيئ أفعله. أريد أن أتناول الإفطار في مطعم مغربي. هل تصحبيني إلي أحد المطاعم الشهيرة هنا؟ سأعزمك.

فالت:

– في أي فندق أنت؟

– سان جيرمان.

– حلو. سأحضر اليك في السابعة ونذهب إلي المطعم معا. قريب منه جدا. سنذهب علي الأقدام. ونكمل الحديث. فكر معي ربما نجد طريقة. أرجوك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *