fbpx

حكايات ساعة الإفطار(22-30)

من زمن الحب والحرب

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

– ياه. معقول!

قالت هدي لنفسها ذلك في دهشة،  فقالت إبنتها شيماء:

– فيه إيه ياماما. إيه الي بيخليكي تستغربي كده؟

– لا أبدا.

قالت هدي ذلك وتركت الغرفة وخرجت إلي الصالة.جلست وحدها تنظر إلي المظروف القديم. إنها لا تنسي ذلك اليوم.عندما دق ساعي البريد الباب كانت الساعة الثانية عشر صباحا. استلمت منه الرسالة وأغلقت الباب، ثم دارت حول نفسها فرحة والرسالة علي فمها تقبلها. لم تنتبه إلي أمها في الصالة تراقبها في دهشة.

– حازم يا ما ما. حازم بخير. بعت لي رسالة.

– الحمد لله. يارب يرجع بالسلامة هو وكل اللي زيه. يارب انصر مصر يارب.

جرت هدي بالرسالة إلي حجرتها وفتحت الرسالة وراحت تقرأ في سعادة:

 

« حبيبتي هدي. أنا بخير. واحشاني خالص. كلكم واحشني، طمني ماما إن أنا أول ما حارجع حنتجوز علي طول. أيوة. اليهود اللي عطلوا جوازنا خمس سنين حيرحلوا عن سينا بإذن الله. وبعد سينا ما تتحرر يبقي مافيش أي حجة لتأخير الزواج. أنا متهيألي ناس كتير حتتجوز. يعني مش احنا يس. أنا باكتب لك الجواب ده وانا في خندق ومعايا زميلي أشرف. أشرف معايا في كل مهمة. من إسبوع هاجمتنا طيارات مستير. نوع قديم استخدمته فرنسا في العدوان الثلاثي علينا، وعملت بيه غارات علي اسكندرية. قلنا أمّال فين الفانتوم. إسرائيل ما بقاش عندها طيران والا إيه؟ طبعا ما حصلش خساير عندنا. كنا يوم 18 اكتوبر. يوم 19 هاجمتنا عشرين دبابة. أسرناها كلها. آه والله. عارفة ازاي. زميلنا أحمد الصعيدي لف نفسه بالديناميت، ورمي نفسه تحت أول دبابة. إنفجر فيها الديناميت واتعطلت. فوجئنا بباقي الدبابات بتفتح أبوابها من فوق ومن تحت، ويطلع منها الجنود رافعين إيديهم. استشهد أحمد وأسرنا عشرين دبابة بجنودها. يوم 21 و22 اشتركت في مهمة خلف خطوط العدو ومعايا أشرف كالعادة. أشعلنا الحرائق في المناطق الإدارية. كنا سبعة. رجعنا  عشرة. استشهد منا اتنين  إإ مش عارف ليه الإذاعة المصرية مش بتذيع كل البطولات. يمكن علشان مش عايزين الناس تفتكر أيام 67 لما كانت الاذاعة بتذيع بيانات كتير وكلها كذب.يمكن خايفين كتر إذاعة الانتصارات يشكك الناس فيها. زي بعضه. إحنا حنرجع ونحكي كل حاجة. حبيبتي هدي. ما تقلقوش علينا. اسهروا وانبسطوا. دا مافيش أحلي من رمضان في اسكندرية. افتكريني عند سيدي المرسي أبو العباس. وأوعدك لما أرجع وتتحرر سيناء نعمل كتب كتابنا فيه.سلمي علي بابا وماما ونادر أخوكي، وقولي له لازم أشوفه في يوم نجم كورة في نادي الاتحاد. وكمان سلمي علي مامتي وبابايا واخواتي». 

«حازم.»

« ليل 25 اكتوبر 1973»

«شمال سيناء» 

تذكر هدي الآن كيف ظلت حتي الساعة الرابعة شاردة، وهي تقف مع أمها تساعدها في إعداد الطعام. أمها تضحك فكل ما تفعله هدي،تشرد عن متابعته ويشيط منها علي النار. وإذا فتحت الحنفية تغسل شيئا لا تغلقها. والأم تضحك وتهز رأسها وتنبهها أنهم اليوم سيستقبلون والد وأم حازم علي الإفطار. في النهاية قالت لها أن تترك المطبخ وتجلس في حجرتها تقرأ وتعيد في قراءة الرسالة حتي تحفظها، ذلك أفضل من إرباكها «وبوظان» الطعام.

كانت الليلة هي ليلة رؤية العيد الصغير. الرابع من نوفمبر. ولقد قررت الأسرتان أن يمضياها معا بعد الإفطار.كان أبو هدي بعد أن  عاد من عمله قد نام فليلا، واستيقظ وجلس في الصالة يقرا القرآن، وينتظر أسرة حازم. أما نادر فقد تعوّد أن يدخل من الباب عندما يدق المدفع. يقترب الوقت ولا تصل أسرة حازم. التليفون لا يعمل. والغايب حجته معاه كما يقول أبو هدي. بدأت علامات الخوف تظهر علي وجه هدي. وضعت الأم الطعام  علي السفرة، وجلست مع زوجها وهدي تجلس معهما شاردة صامتة. دخل نادر قبل أن يدق مدفع الإفطار بدقائق. بدا متجهما. قال الأب:

– مش عوايدك. إحنا ظابطين المدفع عليك.

تصنّع نادر الابتسام  وقال:

– صحيح.. ساعتي مقدمة شوية.

ودخل إلي غرفته وانخرط في البكاء.

 حين تأخرت عودة هدي إلي غرفتها جاءت إبنتها شيماء الي الصالة. رأتها تمسك بالرسالة في يدها تتأملها في شرود عميق.أخذت منها المظروف  وتأملته:

– إيه الجواب دا ياماما. دا قديم أوي؟

ثم راحت تتأمل الأختام البريدية القديمة.

 – دا من سنة 1973 بس مش باين اليوم ولا الشهر. منين الجواب  ده ياماما؟

أخذته  هدي منها  وابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

–  دنيا ياشيماء يا حبيبتي. كان يمكن يكون من بابا. بس ربنا ما أرادش.

تعجبت شيماء وقالت ضاحكة:

– قصة حب بأه!

– تقدري تقولي كده.

– علشان كده شايلة الجواب كل السنين دي؟

– بالعكس. أنا نسيته. أنا اتجوزت وسبت بيت ماما وبابا. ومش عارفة ازاي جه معايا، وفضل السنين دي كلها وماشفتوش إلا النهاردة، وانا باقلب في علبة المصحف الخشب  بتاعة ماما الله يرحمها. يبقي ماما اللي احتفظت بيه بعيد عني. صح.

فكرت شيماء قليلا وقالت:

– علشان كده ياست ماما حضرتك أصريتي تاخدي علبة المصحف دي من خالو نادر بعد تيتة ما توفت السنة اللي فاتت.

– ما كنتش اعرف ياشيماء إنه فيها. أنا بس باحبها علشان ماما وارثاها من جدو وكان عاملها بصدف ونحاس وريحة خشب الورد لسة فيها. أيوة فيها درج سري رفيع بس عمري ما فكرت افتحه غير النهاردة. كنت دايما أقول حيكون فيه إيه يعني؟

– قلب المؤمن دليله ياست ماما. ولا أقول لك قلب العاشق  دليله.

سكتت هدي قليلا وقالت في ثقة:

– تعرفي مين أكتر واحد حيفرح بالجواب ده؟

– مين؟

– بابا. بابا أشرف كان مع المرحوم في الحرب، والمرحوم استشهد بين إيديه.

– ماما. ماينفعش تعملي كده.

قالت الام في ثقة:

– ما تخافيش.أنا لو كان جالي عريس تاني غير أشرف ما كنتش اجوزت أبدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *