fbpx

حكايات ساعة الإفطار(21-30)

حكايات ساعة الإفطار

مانشيت

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

طلبت منه حوارا صحفيا عن كتابه الجديد. كانت المشكلة في الوقت، فالشهر رمضان والجو صيف شديد الحرارة ومن ثم  هو لا يحب الخروج نهارا. هي تريد  صورا جديدة له بالنهار في الشارع بين الناس. هكذا طلبت منها الجريدة. وهو فاطر لأسباب صحية لكنه يقضي النهار علي المشروبات،ويفطر دائما مع الصائمين. أعطاها موعدا في يوم سيفطر فيه خارج المنزل.

– إيه رايك الساعة تلاتة في الزمالك؟

–  مناسب جدا. حاجيب المصور معايا.

قابلها ومعها المصور الشاب. التقط له المصور بعض الصور في الشارع وفي اتحاد الكتاب، وحين قررا بدء الحوار قال:

– للأسف أنا فاطر. وإذا لم اشرب شيئا الآن سينخفض ضغطي بطريقة كبيرة. إيه رايك نقعد  في كافتريا ونتكلم؟

قالت:                          

– لكن أنا صايمة.

– لا مشكلة. يكفي أن أطلب أنا شيئا  أشربه.

قال المصور بسرعة:

– انا كمان صايم لكن تعبان. ممكن اشرب أنا كمان.

 كانت مهمته قد انتهت. لكن هكذا تحدث.ومن ثم ذهب الثلاثة إلي كافتريا قريبة صغيرة يغلب عليها الطابع الإيطالي. طلب هو كابتشينو، لكن المصور تراجع ولم يطلب شيئا وظل علي صيامه.

هي جميلة. طفولية الحديث والحركة. في حوالي الثانية والعشرين من عمرها، والمصور يبدو شاردا. نحيل وأسمرشفتاه مزمومتان طول الوقت، وعلي وجهه علامات ارتباك كبيرة،ويبدو قد اقترب من الثلاثين.

بدأت تساله عن كتابه الجديد  وتسجل الحوار في الموبايل. الثلاثة حول المنضدة. فجأة وضع المصور رأسه علي المنضدة بعد أن أنكفا عليها. لم يبد أنها مهتمة. هو تصوره متعبا من الحر والصيام، خاصة أن الساعة تدخل في الرابعة، ونهار الصيف طويل. كان هو يجيب بحماس علي الأسئلة، فالبنت تتسع عيناها أثناء السؤال بشكل مثير،ولا ينتبه إلي المصور الذي نام نوما عميقا، لكن لاصوت يصدر منه. لا نفس. إنتبه إلي ذلك في منتصف الحوار. نظر إليها وقال:

– ماله؟

– مش عارفة.

قالت ذلك بلامبالاة.

– إسمه إيه؟

– أحمد.

– يا احمد. أحمد.

لكن أحمد لا يسمع.

– دا ما فيش حتي نفس طالع منه.

– ما تخافش. نكمل الجوار.

لكنه لم يستطع. راح يهز أحمد من كتفه وأحمد لا يستجيب.

– يانهار اسود ليكون مات!

ابتسمت وقالت:

– ما تخافش. مش حيموت ولا حاجة.

صاحب المقهي أو مديرها الذي يجلس قريبا، إنتبه إلي الموقف فوقف. إقترب من أحمد ووضع يده علي رأسه.

– رأسه سخن جدا. دا ضغطه واطي كتير. أنا حاجيب دكتور من الأجزخانة اللي  جنبنا.

ارتبك هو أكثر، وهز أحمد بقوة، بينما خرج صاحب الكافتريا مسرعا. فتح أحمد عينيه وبدا متألما وسيفقد الوعي من جديد.

– مية بسكر وعصير أي فاكهة حلو جدا من فضلك.

قال ذلك بسرعة لأحد الجرسونات الذي وقف يتابع المشهد. بسرعة أحضر الجرسون المطلوب ووضعه علي المنضدة، ثم راح يدفع بكرسي أحمد إلي الحائط، ثم وضع تحت ساقيه كرسيا آخر بحيث يكون في وضع أقرب إلي النوم.راح هو يسقي أحمد العصير وهي لا تتحرك من مكانها ولا تهتم. عاد صاحب المقهي يحمل كيسا صغيرا من البلاستيك مغلقا وقال.

– مالقتش الدكتور لكن عطوني الغاز ده يشم فيه.

وقرب الكيس المغلق من فم أحمد بعد أن فتحه قليلا، وبدأ أحمد يعود إلي وعيه.قال هو:

– ننتهي من الحوار بسرعة حتي يعود إلي بيته. سأحضر له تاكسي يحمله.

– وهو كذلك.

قالت ذلك مبتسمة مما ادهشه جدا.

راح يجيب علي أسئلتها بسرعة، وأحمد عاد إلي النوم من جديد،ثم انتفض ممسكا ببطنه.

– مالك؟

– المشكلة في معدتي.عايز أرجّع.

قال احمد ذلك بصوت متعب،وبدا يقاوم القيئ. أمرها أن تشتري شيئا من الصيدلية يمنع القيئ. ترددت قليلا.

– بسرعة الله يخليكي.

قامت علي مهل وهي تهز رأسها وتزم شفتيها. خرجت وعادت بسرعة معها شريطا من الحبوب. قدم واحدة لأحمد الذي رفض وقال:

– كملوا الحوار. مافيش مشكلة.

– انت كويس؟

– الحمد لله بس أنا لازم أروح.

– طيب انتظر أجيب لك تاكسي.

– لا أنا معايا عربيتي.

– حتعرف تسوق؟

– إن شاء الله.

وتركهم وخرج مسرعا علي غير ما كان يبدو عليه من تعب. إرتبك هو ولم يعرف بما يعلّق. كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة ولم يبق علي الإفطار غير ساعة.

-هل نكمل الحوار؟ أعتقد إنك ستتأخرين علي البيت.

قالت فجاة في حيرة  وضيق:

– مش عارفة أعمل إيه؟

– في إيه؟

– فيه. أحمد  ده. عمل كده امبارح والإسبوع اللي فات.

– هل يرفض دائما العلاج؟

– لا. هو مش عيان. هو زعلان مني.

لم يصدق واندهش جدا. قال:

– إزاي؟

– عايز يجوزني. وأنا مش عايزة.

لم يستطع أن يسيطر علي نفسه. إنطلق يضحك.

– عاشق يعني.

– مش فاهمة.

استمر يضحك ويقول:

–  ياالله. لقد تغيرت أحوال العشاق. من السهر والبكاء الي القيئ  والإغماء.

وهي خفضت  رأسها وراحت تضحك بلا صوت.

– طيب ليه بتجيبيه  يصور معاكي. مافيش مصورين في الجريدة غيره؟

– فيه  طبعا لكن دايما يختاروه معايا.

سكت قليلا وقال:

– وليه صحيح ما تتجوزيهوش مادام بيحبك كده؟

ابتسمت وتألقت عيناها الواسعتان وقالت:

– أنا مش مصدقاه. مش قادرة اصدقه.

 – تعرفي أنا خايف يكون مريض فعلا.

– لا. مش مريض ولا حاجة.

– لو جري له حاجة كنا حنبقي مانشيت الصحف بكرة. وفاة مصور الجريدة  وهو يصور الكاتب الكبير.لكن الحمد لله.

– ما تشغلش بالك. خلينا نكمل الحوار.

ودخل شاب إلي الكافتريا مسرعا يقول:

– فيه شاب أغمي عليه برة علي الرصيف. بيقولوا إنه كان طالع من هنا. حد يعرفه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *