fbpx

حكايات ساعة الإفطار (20-30)

حكايات ساعة الإفطار

على الطريق

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

كان يسرع بسيارته علي الطريق الصحراوي ليصل إلي القاهرة  قبل مدفع الإفطار.  في منتصف الطريق سمع صوت انفجار العجلة الأمامية اليمني، فكادت تخرج به السيارة التي جنحت إلي يمين الطريق علي الرمال غير المستوية.

كان يمكن أن تنقلب السيارة لولا أنه في هذه اللحظات بالذات كان قد خفّض من سرعته، فصارت تحت المائة بعد أن كانت وصلت الي مائة وعشرين كيلو مترا في الساعة. بسرعة غيّر العجلة، لكن العجلة. الجديدة لم تكن منتفخة كما يجب، فتوقف مرة أخري في محل تصليح كاوتش علي الطريق، وضبط هواء العجل كله. أدرك أنه لن يصل عند الإفطار فلم يعد يهتم. فكر إنه ربما يستطيع الإسراع أكثر ساعة الافطار، حيث تقريبا لن تكون هناك سيارات في الطريق، وفي كل الأحوال سيصل الي شقته في القاهرة  وأسرته بعد لم تنته من طعامها. أسلم روحه للأغنيات التي تنساب من راديو السيارة، ثم إلي القرآن الكريم، ثم إلي صوت الآذان وكان قد تجاوز ثلثي الطريق، الذي صار بالفعل خاليا من السيارات، وخيم عليه الفراغ والصمت. 

في لحظة اندفع شخص لا يعرف من أين ظهر، ولا كيف، يعبر الطريق أمامه. داس بقوة علي فرامل السيارة، وتشبث في المقود بيديه، وانحرف بالسيارة إلي اليمين أكثر، لكن الشخص كان قد تردد في الاندفاع، وعاد إلي الوراء وكأنما يضع نفسه أمام العربة. صدمته بقوة ألقت به لثلاثة أمتار أمامها. توقف هو بعد أن تجاوزه وخرج بالفعل بالسيارة  إلي الرمال.

عاد الي الرجل بسرعة. صرخ من هول الصدمة. الرجل صار مزيجا من الدم لا يعرف ماذا أصيب فيه. شيئ أحمر كله ممدد علي الأرض. ماذا سيفعل الآن؟ لم يفكر كثيرا.رأي الطريق يمتد علي الناحيتين خاليا، فدخل  سيارته وعاد بها إلي الطريق بسرعة، واستمر في الاتجاه الي القاهرة.عند البوابة اضطرب قلبه. ما الذي يمنع أن يكون إكصدام السيارة ملوثا بالدم؟. لكن لم يكن ممكنا الآن النزول والتثبت من ذلك. وبالطبع لم يكن ممكنا العودة فلا طريق يعرفه لدخول القاهرة غير بوابة الرسوم. لكن أحدا عند البوابة لم ينظر إلي السيارة. خرج منها واستمر في طريقه. لابد أن يغسلها بالماء والصابون لإخفاء أي أثر حتي لو لم يكن ظاهرا. سيغسلها بنفسه أمام بيته، ولن يسمح حتي للبواب أن يفعل ذلك. بل سيرسل البواب يشتري شيئا من مكان بعيد.

كان قبل ذلك قد اتصل بزوجته بالموبايل يخبرها إنه سيتأخر و قد يلحق بهم في الإفطار، وهي الآن تطلبه في الموبايل ولا يرد.لا ينتبه إليه في الحقيقة. لقد قتل نفسا فماذا يمكن أن يحدث له الآن؟ وهل سينكشف أمره؟ لابد أن صجف الصباح ستخرج تتكلم عن الذي صدمته سيارة فمات وتركه صاحب السيارة وهرب. لن يشتري الصحف لعدة أيام.هذا هو الحل. لن يخرج من بيته ولن يذهب إلي العمل. سيمضي الأيام القادمة يقرأ القرآن لتهدأ نفسه.

مرّ يوم وثان وثالث وضاق بجلوسه في البيت. زوجته تسأله لماذا هذه الإجازة المفاجئة من العمل. يقول لها تعبت في الاسكندرية، وهي تندهش من هذا التعب الذي يتحدث عنه، فلقد ذهب يودّع وفدا سياحيا سيعود إلي أوربا عن طريق البحر. كان قد تعود أن يشتري الصحف كل يوم، فلم يعد بشتريها. لكن زوجته كانت تشتريها له في طريق عودتها، وهو لم يستطع أن يقول لها أن لا تفعل ذلك. حاول أن يبدو طييعيا بل ويقبّلها كلما عادت. لكنه بالليل بعد أن تنام، كان يخرج الي  الصالة ويجلس ويقرأ الصحف التي تشتريها. لم يجد في أي منها إشارة إلي الحادثة. تنفس بارتياح وتشجع علي القراءة في الأيام التالية، ولم يجد أيضا أي إشارة للحادثة.  قرر في اليوم الخامس أن يذهب الي عمله. في مكتبه بالشركة السياحية الكبيرة دخل عليه أحد الضباط. رآه فقام يستقبله مندهشا. قال الضابط:

– حضرتك رجعت من خمس أيام من الإسكندرية؟

– أيوة.

قال ذلك باضطراب فقال الضابط:

– حضرتك قلت للمدام انك مكن تلحقهم في الفطار؟

إرتبك أكثر فاستمر الضابط:

– وحضرتك وصلت بعد نص ساعة من المدفع، والمدام كانت مستنياك تاكل معاك. الولد والبنت بس اللي كلوا؟

– أيوة. ليه الأسئلة دي كلها؟

– حضرتك ما أكلتش مع المدام وكذبت عليها وقلت لهاكلت ساندوتش وشبعت في السكة؟

لم يرد.

– حضرتك اللي أخرك  إنك عملت حادثة وقتلت واحد؟

لم يرد.

– والسكان شافوك بتغسل العربية بنفسك علشان تمحي أي أثر للحادثة؟

لم يرد.

– حضرتك ما شفتش الدم اللي نزل  مع المية؟

– لا شفته ومن ساعتها عارف أن حد حيبلغ فيا.

– حضرتك تشرف معايا علي القسم.

قام ومشي جوار الضابط.خرج إلي الصالة التي يحلس فيها أربعة من الموظفين، وقال لهم وهو يشير الي الضابط بجواره:

– أنا مضطر أروح القسم مع حضرة الظابط. ياريت تبلغوا المدام في البيت.

راحوا  ينظرون إلي بعضهم في دهشة. قال أحدهم بعد أن خرج ولم يعد أمامهم:

– ظابط مين اللي خارج معاه. حد منكم شاف ظابط؟

قال آخر وهويهز رأسه:

– لا.

قال ثالث:

 

– أحمد بيه بيخرف من الصيام. أمّال لما نوصل لآخر رمضان  حيعمل إيه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *