fbpx

حكايات ساعة الإفطار (19-30)

فاطر رمضان

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

رغم إنه فاطر رمضان إلا أنه لا يظهر ذلك أمام الناس. يقول لنفسه دائما إذا بليتم فاستتروا. حتي في البيت لم يكن يحب أن يأكل شيئا أثناء النهار أمام زوجته وأولاده، رغم إنهم يعرفون جميعا إنه فاطر. لقد جرب أن يصوم مرة فانخفض ضغطه بشدة وكاد يسقط علي الأرض وهويمسك برأسه الذي يكاد ينفجر، لولا أن زوجته لحقت به وأعطته أكثر من كوب من مشروب  قمر الدين يشربه. كانت هذه المرة الوحيدة التي تناول فيها شيئا بالنهار أمام أسرته. بعد ذلك كانت تعطيه شيئا من الطعام حين ينفرد في إحدي الغرف ويكون الاولاد منشغلين بالتليفزيون، أو يكونوا في الخارج. ولما جاء رمضان في الصيف هذا العام ذهبوا جميعا الي المصيف. ذهب معهم إسبوعا وعاد وظلوا هم هناك فهم في الاجازة الصيفية للمدارس. إذن سيأكل في أي وقت يشاء. الأفضل أن يعود إلي طبيعته. يتناول في الصباح كوب الشاي بالحليب وساندوتش جبن صغير. فعل ذلك وعند موعد الغداء وجد نفسه غير جائع. بل وجد نفسه ينتظر مدفع الإفطار ليأكل. إذن صار أسير العادة رغم إنه فاطر للشهر. ثم أحس بفراغ كبير حوله. كيف حقا ترك الأولاد وعاد ليكون وحيدا في الشهر الكريم الذي هو شهر اللمة  العائلية. لم يكن ممكنا أن يترك عمله أكثر من إسبوع ويظل معهم. وهم بالطبع لاذنب لهم في حر القاهرة. إذن فليخرج من البيت. يذهب إلي إحدي المطاعم أو المقاهي. كان يعرف إنه لن يجد مطعما يقدم له طعاما قبل الإفطار. لكن هناك بعض المقاهي تعمل في نهار رمضان.، وبالذات في «نص البلد». وهو لا يسكن بعيدا عن «نص البلد».

كانت الساعة قد دخلت في الرابعة. إرتدي ملابسه وترك الشقة وحمله تاكسي إلي ميدان طلعت حرب. مشي فيه علّه يجد مقهي مفتوحا في نهايته. تذكر إنه كثيرا ما يشتري للبيت أسماكا من الجمعية التعاونية القريبة من منتصف  شارع صبرى ابو علم. وتذكر أن خلفها عددا من المقاهي بعيدا عن الشارع العام، وقد تكون إحداها مفتوحة. وكما توقع بالضبط وجد أكثر من مقهي في الزقاق الواقع خلف الجمعية التعاونية مفتوحا. بل وجد مطعما يبيع الساندوتشات، لكن تاقت نفسه إلي السمك.  إشتري من الجمعية ربع كيلو جمبري وطبق أرز، واشتري من امرأة تجلس  علي الرصيف رغيف خبز واحد ودخل إحدي المقاهي ليأكل ويشرب.

لم يكن بداخل المقهي الصغير غيره. الكل أمامها وكان جوار الباب رجل أربعيني يرتدي قميصا وبنطلونا ويدخن سيجارة ويشرب من الشاي. وجرسونات المقهي ثلاثة. واحد يتحرك بالطلبات وواحد خلف النصبة يعد الطلبات وواحد يكنس الأرض. أمام المقهي يجلس شاب وفتاة أجنبية. هي تدخن الشيشة وهو يدخن السجاير ويحتسي القهوة.  علي الناحية الأخري أكثر من شاب وفتاة يدخنون الشيشة ويشربون الشاي والقهوة والعصائر. كان واضحا من أعمارهم إنهم فنانين أو لهم بالفن صلة ما.لا أحد ممن حوله يأكل شيئا. هو إذن الذي سيأكل. أحس بالجوع بحق. لكنه تردد. هل يأكل هكذا أمام كل الناس. هو لم يشأ يأكل في بيته وهو وحده. ابتسم. كل الجالسين فاطرين مثله. ربما يشعر بالخجل من كبر سنه. فهم في النهاية شباب به شيئ من الطيش. ثم إنه يعرف أن مقاهي وسط البلد تمتلئ بالشباب من الكتاب والصحفيين والفنانين. وهؤلاء عادة يخرجون عن النص في بداية حياتهم رغم أنهم قد يكتبون غير ذلك. أجل. لقد قرأ يوما أن ما يكتبه الكتّاب هو نتاج خبرة حياتهم. ولا خبرة مع حياة عادية. وقرأ مرة سيرة أحد الكتاب الكبار الذي اصبح الآن من مفكري الإخوان المسلمين، ووجد في سيرته إنه كان مقبلا علي المعاصي في شبابه حتي هداه الله في الكبر.لكن من قال له أن احدا ممن حوله يهتم بوجوده أو حتي يدرك إنه موجود. فقط هو الرجل الأربعيني الذي وقف ووضع أمامه علي المنضدة طفاية  سجاير لأنه رآه يشعل سيجارة. إذن ينتهي من تدخين السيجارة ويأكل.أطفأ السيجارة وهو في منتصفها وفتح كيس الطعام وراح يأكل. أشار الرجل الأربعيني إلي أحد الجرسونات فتقدم إليه بكوب ماء بارد. إنتهي من الطعام وطلب شايا من الجرسون. لاحظ أن رائحة طهو بدأت تنتشر في المقهي. نظر إلي النصبة القريبة فرأي خلفها علي البوتاجاز أواني طعام. إنهم يطهون طعاما هنا رغم أن المقهي ليست مطعما. ثم رأي الذي كان يكنس ينحني جانبا ويجلس أمام ترابيزة وحده يضع فوقها كمية كبيرة من الطماطم والخيار والجرجير ويبدأ في تقطيعها. واضح إنه يعد السلاطة. لمن يفعل ذلك وكل من حوله يشرب شيئا أو يدخن؟ الجرسون الذي يعد السلاطة يضع سيجارة في فمه، والذي يقف خلف النصبة يتابع الطهو وسيجارة أيضا في فمه، والرجل الأربعيني طلب قهوة يشربها بعد أن شرب الشاي، والجرسون الذي يتحرك بين الزبائن أيضا في فمه سيجارة.ربما يعدون مائدة رحمن صغيرة في الشارع. جلس صامتا ورائحة الطعام تزداد. الساعة  صارت السادسة. قرر أن لا يعود إلي البيت إلا متاخرا. سيظل هنا حتي بعد الإفطار بساعة، ثم يتحرك إلي بيته ويجلس مع بعض جيرانه في المقهي القريب. لكن الرجل الأربعيني قال له:

– ممكن حضرتك تقعد برة لو احنا حنضايقك.

لم يفهم. إبتسم وقال:

– لا. هنا كويس.

سكت الرجل الأربعيني. تقدم الجرسون وبسرعة أزاح أربع  ترابيزات  من أماكنها  وجعلها صفا واحدا علي يساره. رتب حولها ثمان مقاعد، وفرشها بفرش نظيف. مائدة رحمن لثمانية، وداخل المقهي الصغير أمر غير متوقع! إنتهي الجرسون الثاني من عمل السلاطة ووزعها علي ثلاثة أطباق كبيرة، ثم أسرع بها ووضعها علي الترابيزات. وساعده الجرسون الثاني بجلب زجاجة مشروب قمر الدين، وأخري خروب،ووضعهما فوق الترابيزات، ثم ألحقهما بأكواب وزعها أمام المقاعد. كان صوت القرآن الكريم قد بدأ في التليفزيون الذي أمامه. دقائق وينطلق مدفع الإفطار. وقف الجرسونان أمام زميلهما الثالث الذي راح يغرف الطعام ويعطيهما أطباق الأرز واللحمة والبازيللاء يوزعونها علي الترابيزات. وقف الرجل الأربعيني وتقدم ليجلس علي أحد المقاعد. إنتهي الجرسونات الثلاثة وأقبلوا ليجلسوا بدورهم علي المقاعد. إنضم اليهم أربعة اشخاص آخرين بدا أنهم جرسونات المقهي المجاور.

– إرمي السيجارة بقي المدفع حيضرب.

قال أحدهم لزميله الذي وقف ليضع السيجارة بعد أن أطفاها في طفاية قريبة. إنطلق مدفع الإفطار فراح الجميع يسمون بالله الرحيم في صمت. يعرف ذلك من تحرك شفاههم. قال له الرجل الأربعيني.

– اتفضل أفطر معانا.

– الحمد لله سبقتكم.

 

قال ذلك وجلس مندهشا. شمل الصمت الجميع حتي الشباب خارج المقهي، إلامن صوت الشيخ الطبلاوي الجميل يؤذن للمغرب. ومع دعاء الشيخ الشعراوي كانوا يأكلون. بان علي وجوه الجميع الوداعة والرضا والراحة. بدوا له وقد صاموا الدهر من قبل. تماما كما يحدث معه كل يوم بين أسرته رغم إنه مثلهم لا يصوم.

التعليقات “حكايات ساعة الإفطار (19-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *