fbpx

حكايات ساعة الإفطار(18-30)

حكايات ساعة الإفطار

فكر بغيرك

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

دخل علي الفيس بوك كعادته فوجده مختلفا عن كل يوم. كل الصفحات يهنئ أصحابها بعضهم البعض بحلول رمضان الكريم.

كتب علي صفحته تهنئة لكل الاصدقاء لأنه لن يجد الوقت ليهنئهم كل علي حدة. الكلمات هي الكلمات كل عام منذ وعي إلي الدنيا قبل الفيس بوك والموبايل بكثير.

كان يسمعها صغيرا وصار يقولها كبيرا. فقط وجد الناس الفرصة في التنكيت علي جملة «رمضان مبارك».

الحقيقة أن هذا التنكيت بدأ منذ  خمسة أو ستة أعوام قبل ثورة 25 يناير. روح الدعابة عند المصريين راحت تسخر من الرئيس مبارك  مع بداية كل عام جديد، أو حلول أحد الأعياد. « نفسي بأه استعمل كلمة غير مبارك دي. عيد مبارك. رمضان مبارك.

هو ما فيش غير مبارك «وهكذا يرمي الكلام إلي ضرورة التغيير. تبادل السلطة الذي لم يعرفه المصريون منذ ثورة يوليو إلا بتدخل إلهي. لكن  صديقة شابة من سوريا كتبت علي صفحتها «وأنت  تعد إفطارك فكر بغيرك» المعني بسيط وواضح. أن تساهم في إطعام فقير أو ذي حاجة. لكنها فتحت باب الحزن إلي آخره. ترك الفيس بوك وترك مكتبه.ودخل إلي سريره لينام،لكنه ظل ينظر إلي سقف الحجرة حزينا حتي ظهرت خيوط الصباح فشده النوم إلي مملكته. استيقظ متأخرا في اليوم التالي ليجد زوجته قد تغيبت عن العمل. فاليوم سيحضر عدد من أسرتها ليشاركوهم طعام الإفطارلأول أيام رمضان. عادة لم تنقطع منذ سنوات. جلس هو قليلا أمام التليفزيون واندهش من كونه أيضا لم يذهب إلي العمل ونام كل هذا النوم، رغم إنه لن ينشغل بالمطبخ وإعداد الطعام مثلها.تذكر ما سبب له الألم  ولاحظت هي كثرة قيامه وجلوسه. تردده بين الصالة حيث التليفزيون وغرفة النوم. كان إذا دخل الغرفة سقط فورا في النوم  من جديد لدقائق و سرعان ما يستيقظ  ليذهب إلي الصالة التي ما يلبث أن يتركها. لاحظت أنه لا يرد علي الموبايل الذي لم يتوقف تقريبا عن الدق طول النهار. قالت له:

– مالك. ليه ما بتردش علي الموبايل؟

نظر اليها وقال:

– هو بيرن؟

– يالهوي يامحمد دا ما بيبطلش رن. إقفله أحسن إذا كنتش عايز ترد.

– لا خليه. يمكن حد يحتاجني في حاجة.

– طيب إبقي رد والا أرد أنا؟ أقول نايم، المهم إذا كان فيه حاجة مهمة أقول لك عليها.

– زي بعضه. إبقي ردي انتي.

وتركها وذهب إلي غرفة النوم من جديد. ترددت قليلا ودخلت خلفه. وجدته قد دخل في النوم في الحال.

– يالهوي. لحقت نمت؟

وهزّته برفق.

– محمد. محمد.

إستيقظ.

– حتفضل طول النهار نايم كده. وبعدين انت بتنام في ثانية. إيه الحكاية؟

نظر إليها مبتسما ابتسامة رقيقة، ولا حظت شحوبا مفاجئا في وجهه.

– مالك ياحبيبي. دا احنا لسة في أول يوم. وشك أصفر خالص.

– ما تخافيش أنا كويس.

– باقول لك إيه. إن الله يأمركم أن تؤدوا رخصه كما تؤدوا فرائضه. يعني إذا كان الصيام حيسبب لك هبوط في الدم افطر واطعم اتنين كل يوم وخلاص.

هز رأسه وقال:

– ماهي دي المشكلة.

– ما فيش مشكلة إحنا ربنا ساترها معانا. مش مهم عشرين تلاتين جنيه في اليوم.

– لا. قصدي هي دي المشكلة معايا من امبارح. واحدة سورية كتبت علي الفيس بوك، وأنت تعد إفطارك فكر في غيرك.

 نظرت إليه في دهشة فاستمر يتحدث:

– من امبارح عمال أفكر في غيري. من امبارح عمال افتكر. أنا شفت ناس كتير أوي فقرا. وعشت بين الفقرا والمستورين. أنا ساعدت ناس كتير أوي في حياتي. لكن لسة فيه ناس كتير عايزة المساعدة.

قالت في دهشة شديدة وخوف.

– سلامتك يامحمد. جري لك إيه. بلاش النيلة الفيس بوك ده في رمضان. ما احنا عارفين إن في رمضان الواحد يساعد علي قد ما يقدر. لكن حتقعد تفكر في الغلابة اللي في البلد مش حنخلص. دا سبعين في المية تحت خط الفقر. وبعدين ماهو الكلام ده بيتقال كل سنة. ومن غير فيس بوك.

ونظرت اليه فوجدته شاردا في حزن فهتفت:

– الله اكبر.. بسم الله عليك ياحبيبي. إنت مش صغير علشان تتعب كده علشان الناس. وبعدين هي كتبت كده ليه. ما تشوف اللي حاصل عندهم. دا كل يوم مية ومتين قاتلهم بشار.

– ما تلوميهاش.

فكرت قليلا وقالت:

– هيا صاحبتك علي الفيس؟

– أيوة.

 – اسمها إيه؟

– أمل سهيل.

– طيب أنا حادخل علي صفحتها وأقول لها ما تكتبش كده تاني. أقول لك اشطبها من صجابك.

ضحك وقال:

– هيا مش كاتباه ليا لوحدي.

– طيب خلاص ريحتني. ماتدخلش علي صفحتها. وبعيدن ياحبيبي زي ما قلت لك الواحد  لو فكر في اللي محتاجين لا حياكل ولا حيشرب.

– المصيبة إني طول عمري عارف كده. ما اعرفش إيه جرالي النهاردة. مع إني بقالي كام يوم مبسوط خالص. من ساعة ما شفت مبارك ورجالته في القفص مزاجي حلو.

سكتت قليلا وقالت:

– عارف مين اللي محتاج دلوقت؟

– مين؟

– اقول لك وماتزعلش؟

– قولي.

– حسني مبارك.

نظر إليها مندهشا جدا فقالت:

– الواحد بيضيع منه عشرة جنيه بيتنكد. دا ضاعت منه بلد.

ابتسم وهو يهز رأسه في حيرة.

– وكمان مش كان وزير الإعلام أنس الفقي هو اللي بيسنده رايح جاي؟ دلوقتي دا في حتة ودا في حتة.

ظل ينظر إليها ولايرد فقالت:

– ياريت في سوريا يخلصوا ويجيبوا بشار معاه. أهو صغير زي أنس الفقي.بدأ يضحك بصوت غير مسموع ويهتز جسمه:

– ايوه يحطوهم في سجن واحد تبع الجامعة العربية ومعاهم القذافي  وعلي صالح. بس المصيبة القذافي مجنون وحياكل الأكل كله ويمكن كمان يصرخ فيهم علي المدفع من أنتم؟

انطلق يضحك بلا توقف فقالت:

 

– أيوة كده اضجك وانبسط. رمضان كريم يامحمد ياحبيبي. ربنا ما يحرمني من روحك الجميلة الحساسة دي. من زمان باقول لك دا مش زمنك يامحمد. انت كنت عايز زمن أحسن من كده..أدخل يا حبيبي  المطبخ معايا. فاضل ساعة علي المدفع والضيوف قربوا يوصلوا. واحمد ربنا إنك ما طلعتش رئيس جمهورية! 

التعليقات “حكايات ساعة الإفطار(18-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *