fbpx

حكايات ساعة الإفطار(17-30)

حكايات ساعة الإفطار

صومكم مقبول

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

صعد بسيارته أعلي كوبري إكتوبر من الدقي. بقيت ساعة علي مدفع الإفطار. يستطيع فيها أن يصل الي بيته في حدائق القبة مرتاحا.هو الآن يقترب من ميدان التحرير.  لا يعرف لماذا فكر أن السيارة يمكن أن تتعطل فجأة فيتأخر في الإفطار مع أسرته. ماكاد يفكر في ذلك ويبتسم من هواجسه  الغريبة، حتي أبطأت السيارة من سيرها واهتزت أكثر من مرة.إتجه الي  جانب  الكوبري وتوقف متضايقا من نفسه. ما الذي جعله يفكر في تعطل السيارة حقا؟ بدا لنفسه أنه السبب، وأن السيارة استجابت لأفكاره. لمح أمامه من بعيد رجلين يقفان جوار موتوسيكل، ثم رآهما يركبان الموتوسيكل ويصلان اليه. كانا يرتديان ملابس قديمة. كل منهما يرتدي بنطلون وقميص قديم وحذاء قديم أيضا.احدهما طويل نحيل والآخر قصير ممتلئ. كانت السيارات قبل صعودها إلي الكوبري من الدقي قد توقفت كثير في انتظار مرور أحد الوزراء. كان الجميع في ضيق شديد من اختيار الوزيرأو أي مسؤول  هذا الموعد للمرور من فوق الكوبري. تقريبا ضاع صيام الصائمين من فرط ما أظهروه أو أبطنوه من لعنات. بعد أن فتح الطريق  أسرع الجميع وكان هو من البداية في الصفوف الأخيرة لذلك صار علي الكوبري متأخرا أيضا.

حين رأي الرجلين يتجهان إليه فكر أنهما من عناصر أمن الدولة، أو المباحث العامة  المتنكرة التي تتواجد في مثل هذه الحالات. وربما كانا سيتركان المكان لولا أنهم رأوه. لكن ماذا سيريدون منه الآن حقا وقد مرّ موكب الوزير؟ هز رأسه نافضا وساوسه القهرية هذه. وسمعهما يسألانه:

– العربية اتعطلت؟

– أيوة.

– مش عارف السبب؟.

– لا. أنا ما افهمش في الميكانيكا.كمان أنا شاريها جديد. من تلات شهور بس، ويادوبك باعرف اسوق.

– احنا ميكانيكية. بنقف علي الكوبري علشان لو فيه حاجة زي كده نصلحها. بناكل عيش يعني.

إنتبه أنه لم يرهما من قبل علي الكوبري. لكن بسرعة طرد أي شك فيهما من رأسه من جديد.

دخل الطويل  السيارة وحاول إدارتها فلم تدر. كرر ذلك أكثر من مرة فهتف فيه:

– بلاش ليكون سير الكتينة انقطع. كده العربية تبوظ.

ابتسم القصير  وقال:

– طيب ما حضرتك بتعرف ميكانيكا.

قال:

-ابدا. دي معلومات يعني سمعتها قبل كده.

 فتح الطويل كبوت السيارة ونظر فيها دقائق وقال:

– كل حاجة تمام. سير الموتور وسير الدينامو.

نزل القصير أسفل السيارة ونام تحتها لحظات وخرج يقول:

– طلمبة البنزين. لازم تتغير.

نظر هو في ساعته وقال:

– طيب حنلاقي حد فاتح دلوقتي نشتري منه؟

قال القصير:

– إحنا عندنا في الدكان بتاعنا كل حاجة. الدكان   قريب من هنا في شارع شامبليون. جنب السفارة الإيطالية. حاروح أجيب لك طلمبة بنزين.

وركب الموتوسيكل وأسرع بعد أن أخذ منه مائة جنيه.

وقف هو  ينظر في ساعته. قال الطويل:

– لسة ساعة إلا ربع علي المدفع. إن شاء الله حتلحق الفطار. حضرتك رايح فين؟

– حدايق القبة.

– لا قريبة. عشر دقايق ويمكن خمسة علي الكوبري.

بعد حوالي ربع ساعة عاد القصير.كان هو قد فكر فجأة أن السفارة الايطالية في جاردن سيتي. سال القصير بعد عودته:

– بتقول دكانكم جنب السفارة الإيطالية في شامبليون. السفارة الإيطالية في جاردن سيتي.

قال الطويل بسرعة:

– هو يقصد القنصلية. ليهم قنصلية قريب من دار القضاء العالي.

 سكت.لم يسمع عن هذه القنصلية من قبل لكن ربما كانت هناك حقا. وراح القصير يعمل فأخرج الطلمبة الأصلية للسيارة وأطلعه علي الطلمبة الجديدة وقال:

– معلش. مالقيتش غير دي بتاعة الفيات بس تشتغل مع عربيتك. كام شهر كده وتغيرها.

كان قد لاحظ أن القصير حين عاد بالموتوسيكل، عاد ومعه أيضا كيسا كبيرا من البلاستيك  من محل كشري. ونزل القصير تحت السيارة وخرج ليقول له:

– إتفضل دور العربية.

 دخل إلي السيارة وأدارها فدارت. بانت علي وجهه علامات الارتياح.أعطاه الطويل علبة كشري من الكيس وملعقة من البلاستيك وقال له:

– إن شاء الله حتلحق الفطار بس خد دي علشان تفتكرنا لو مالحقتش. من باب الاحتياط يعني.

أخذها باسما وتقدم منه القصير بالطلمبة القديمة وقال:

– لو حضرتك عايزها خدها بس يعني مالهاش لازمة تاني.

قال له سعيد ا:

– خليها لكم.  عايزين مني أي حاجة.؟

قال القصير:

– عشرين جنيه بس لإن إحنا حنبيع الطلمبة مع الخردة. تجيبلها خمسة جنية. وكفاية اللي حضرتك دفعته.

أعطاهما عشرين جنيها وتحرك بالسيارة. انطلقا  بالموتوسيكل وسبقاه واختفيا تماما عن الأبصار. عند ميدان رمسيس تعطلت السيارة من جديد.

ظل بها لمدة ساعة حتي عادت الحركة بعد الإفطار. وجد تاكسيا يسحبه إلي الميكانيكي الذي أخبره وهو يضحك بأنهما لصان  وقع في أيديهما مرة أحد زبائنه وأخذا الدينامو نفسه، وأنهما هكذا ترفقا به حين أخذا  طلمية البنزين، وأن الذي نام أسفل السيارة في البداية هو الذي قطع البنزين عن السيارة حيث ضغط علي الخرطوم الرفيع القادم من التانك بالبنزين إلي الموتور بمشبك معدني  معه وخنقه، وفيما بعد نزل من جديد ونزع المشبك  ومشي البنزين في طريقه.

وقال الميكانيكي  ضاحكا:

– عربيتك بالكتير شرقت. تلاقيك دست بنزين كذا مرة من غير سبب.

إتسعت عيناه وضحك وقال:

– فعلا كنت متغاظ من الانتظار للمسؤول الله لا يكسبه وتقريبا عملت كده.

 أخذا يضحكان معا وقال الميكانيكي.

– بس بصراحة كانو ذوق أوي. ادولك علبة كشري فطرت بيها في العربية. يعني حللوا السرقة.

وضحكا من جديد.

 

– لا وكمان وهو بيديني علبة الكشري قال لي صومكم مقبول.

التعليقات “حكايات ساعة الإفطار(17-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *