fbpx

حكايات ساعة الإفطار(16-30)

حكايات ساعة الإفطار

ضيوف غير عاديين

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

عندما وجد إيجار الشقة رخيصا لم يصدق، لكن السمسار قال له:

– تقدر تسكن ببلاش كمان!

– ازاي يعني؟

– بصراحة البيت كله فاضي. البيت تلات أدوار زي ما انت شايف. وفي كل دور شقتين. وكل أصحاب الشقق هجروها.

– عجيب. طيب ليه؟

– حاقول لك زي ماقلت لغيرك. لعلم حضرتك  أصحاب الشقق قالوا لي ما اتكلمش بس أنا باخاف من ربنا.

 – انت غريب أوي. هو فيه إيه؟

– البيت دا مسكون. هي شقة واحدة اللي حصلت فيها جريمة القتل.الشقة البحري اللي في الدور الأخير.  لكن بعدها كل السكان مشيوا من البيت.

– خافوا؟

إرتبك السمسار ثم قال:

– برضه مش حاكذب عليك. كلهم قالوا إنهم شافوا عفاريت.

إنطلق يضحك. معقول؟ فكر متعجبا. منذ طفولته يسمع كلاما من هذا النوع، لكنه لم ير هذه العفاريت أبدا. سمع حكايات كثيرة عمن رأوا العفاريت. لكنه لم ير أصحاب هذه الحكايات.  هو قادم من الريف المليئ بهذه القصص إلي القاهرة المليئة بالزحام.أي عفاريت تعيش بين زحام القاهرة! وشقة رخيصة ومفروشة في هذا الزمن شيئ لا ينبغي التفريط فيه. لكنه تردد قليلا وقال:

– طيب انت قلت ده لكل اللي جم يسكنوا و ماحدش سكن؟

– اتين. بس ماطولوش. والكلام ده من سنة.

ثم رفع السمسار صوته وقال:

– شوف يا أستاذ ممكن تجرّب. واحنا داخلين علي رمضان. في رمضان الشياطين بتنحبس. صح. جرب شهر كده. يمكن بعده العفاريت تنكسف منك والا حاجة.

وانطلق السمسار يضحك وبدوره ضحك معه. قال:

– الشياطين غير العفاريت يا ريس. لكن اتكلنا علي الله. بس ناخد شقة غير اللي حصلت فيها جريمة القتل.

– وهو كذلك.

قال السمسار ثم دخل به إلي شقة في الدور الأول.

– خليك هنا علشان تبقي قريب من الشارع.

هز راسه ساخرا، ونظر إلي  الشقة التي راقته جدا في اتساع حجراتها الثلاثة وصالتها  ومطبخها وحماميها. كتب معه في الشقة عقد الإيجار وهما يجلسان الي السفرة. قال:

– أثاث الشقة جميل.

قال السمسار:

– دي أصلا بتاعة صاحب البيت. أستاذ في الجامعة.

انتهيا من كتابة العقد وأخذ السمسار ما اتفقا عليه من اجرة وأتعاب وخرج. وضع هو ملابسه التي يحملها في حقيبة كبيرة معه في دولاب غرفة النوم. الحقيقة إنه تجول في الغرف غير عابئ بأي شيئ، وقرر أن يمضي فيها أطول وقت ممكن  تحديا لما قيل.وهكذا قرر أن لا يسهر كثيرا في الخارج.

 

مضت الليلة عادية جدا إذ ظل أكثر الوقت يتابع التليفزيون حتي نام. ومرّت الأيام التالية عادية أيضا. صحيح أنه كان يسمع أحيانا طقطقة من ناحية المطبخ، لكنه لم يهتم. صحيح أنه كان يغلق نافذة غرفة النوم وينام ليصبح يجدها مفتوحة، لكنه لم يهتم. ربما لم يغلقها جيدا.والآن صار في رمضان ففضل أن يتناول إفطاره في الخارج في أي مطعم وسط الناس. يعرف صعوبة الوحدة في رمضان ساعة الإفطار. طالما سمع أبوه يتحدث بذلك لأمه عن أيام شبابه حين سافر ليعمل في دولة عربية في السبعينيات من القرن الماضي  وكان يعيش وحده. في منتصف الشهر كان تقريبا قد نسي ماقاله السمسار، وزادت سعادته بالأجرة الرخيصة للشقة الفاخرة. قرر أن  يفطر في الشقة. أنفق كثيرا من نقوده في  المطاعم. قرر أن يطبخ ويوفر. اشتري كيلو لحم ودجاجة وبطاطس وطماطم وخيار وقمر الدين وغير ذلك مما يمكن له أن يطهوه أو يصنعه. 

قبل مدفع الإفطار بساعتين بدأ يطهو طعامه. صينية بطاطس باللحم تكفيه أكثر من يوم. وسلاطة ليوم واحد وعصير لأكثر من يوم وأرز لأكثر من يوم. بدا سعيدا جدا بهذا الإنجاز. قبل مدفع الإفطار بعشر دقائق راح ينقل الأطباق إلي السفرة. أول ما نقل كان طبقا من البطاطس باللحم. عاد إلي المطبخ وملأ طبقا بالأرز، وذهب به إلي الصالة ووضعه علي السفرة جوار طبق البطاطس،  فانتبه إلي أن طبق البطاطس غير موجود.إرتبك واتسعت عيناه دهشة. ترك طبق الأرز وعاد بهدوء إلي المطبخ فوجد طبق البطاطس كما هو في المطبخ لم ينقله. وقف حائرا. 

هل يمكن أن ينسي بهذه السرعة. هز رأسه وأخذ طبق البطاطس من جديد وعاد ليضعه علي السفرة فوجد طبق الأرز في مكانه. إذن هو لم ينقل إلي السفرة من قبل طبق البطاطس. عاد مبتسما إلي المطبخ وحمل طبق السلاطة وذهب به إلي الصالة. كل شيئ في مكانه. الحمد لله. قال فاتحا كفيه أمامه. لكنه لم يجد زجاجة العصير التي أعدها. هل نقلها من قبل إلي الصالة. لم يحدث. ربما حدث. هو مرتبك قليلا فاقد الذاكرة ألي حد ما من أثر الصيام في هذا الجو الحار. 

خرج إلي الصالة فوجد زجاجة العصير وثلاثة أكواب جوارها. لماذا ثلاثة اكواب؟ هو وحده ولايمكن أن ينقلها جميعا، مط شفتيه وهز حاجبيه. لا يجب أن يخاف. ربما وضع الأكواب كلها من قبل. أمس مثلا وأول أمس هو يعمل علي اللاب توب يدخل علي الفيسبوك وغيره ويمضي وقته. أكيد كانت هناك زجاجة ماء بارد حملها من قبل إلي المطبخ بعد أن فرغت، ولم يحمل الأكواب. إنه يشرب الماء كثيرا في هذا الجو، ويحمل الزجاجة بعد أن تفرغ ليملأها ويضعها في التلاجة مع أخواتها، وحين يأتي بها مرة أخري  يحمل دائما معها كوبا ولا ينتبه الي الكوب الذي تركه من قبل.ربما. ليس لديه وقت طويل ليفكر أكثر من ذلك    بقت دقائق الآن علي مدفع الإفطار. هكذا فكر حين نظر إلي ساعته. إنتبه إلي أن التليفزيون علي قناة  عربية. 

ذهب إليه وحوله إلي القناة المصرية. في نفس اللحظة انطلق مدفع الإفطار. التفت يعود الي السفرة فوجد قطان كبيرا الحجم، أحدهما اسود والثاني أصفر، يجلسان إليها ويمسك كل منهما كوبا في يده، وينظران إليه بعيون حمراء واسعة. لقد تركا له الكوب الثالث وكانا أيضا يبتسمان!

التعليقات “حكايات ساعة الإفطار(16-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *