fbpx

حكايات ساعة الإفطار(15-30)

حكايات ساعة الإفطار

شارع الملك

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

لم يكن قد غادر أهله من قبل إلا للجندية.أمضي في الجيش سبع سنوات حضر فيها حرب الاستنزاف كلها وحرب أكتوبر. تأخرت موهبته الشعرية في الظهور إلي الناس. لكنه كان علي فترات متباعدة يرسل قصيدة إلي جريدة المساء أو مجلة الهلال فيجدها منشورة بعد ذلك. إطمان إلي أنه حين يترك الجيش ويجد عملا في القاهرة سيجد فيها من يتآلف معهم من الأدباء وسيبذغ نجمه. سكن في شارع الشيخ الأجهوري بحدائق القبة وعمل في الشهر العقاري ومضت الأيام طيبة. علي المقاهي لا تنقطع المناقشات الأدبية واحتجاجات الأدباء علي سياسة الرئيس السادات واتفاقية كامب ديفيد. 

بدا له الوقت غير كاف خاصة إنه في شقته  يمر عليه الكثير جدا من الأصدقاء من الشعراء وكتاب القصة. كان يعاني من قلة الوقت المتاح له للقراءة والكتابة لكثرة الكتاب الصعاليك  وسهولة زيارته.أتي شهر رمضان. الضابطان اللذان يسكنان في الغرفتين الأخريين بالشقة لا يزالان متغيبان. سيأتيان مرة او مرتين ويعودان إلي وحداتهما في الجيش كما تعود منهما منذ سكن. راح يعد طعام الإفطار بحماس. ويغني مع أغاني الراديو  متوقعا أن يمر عليه أحد. لم يأت أحد.وضع الطعام أمامه علي السفرة الصغيرة وجلس متهيئا لسماع مدفع الإفطار من الراديو. صمت كبير عميق شمل الدنيا من حوله. لماذا حقا لم يذهب الي المنصورة ليكون بين أهله هذا اليوم الأول من رمضان. 

في الجيش  كانت الحركة  كثيرة حوله قبل الإفطار وبعده تشغله عن ذكري أهله. اليوم لا أحد.فتح نافذة غرفته وأطل علي الشارع. لا أحد. صوت القران الكريم فقط  يهدهد الروح. إنطلق المدفع وأكل لكنه لم يشعر بطعم الطعام. 

لم يسمع دعوة أبيه له بالصحة والنجاح وطول العمر. لم تقدم له أمه نصيبه من الدجاج  أو البط وتدعو له بالهناء. لم يقل أخيه الاكبر نكتة كما تعود عن بعض أصحابه. لن تقدم له اخته بعد الإفطار طبق المهلبية أو الكنافة. لا جنود حوله يثيرون الصخب. الآن كل أصحابه في بيوتهم. من المؤكد أنهم سيظهرون بالليل. لكنه الآن ولا أحد. لم يستطع الجلوس. انتهي بسرعة من الطعام. الذي لم يشعربطعمه. ارتدي ملابسه بسرعة ونزل من البيت. المسافة قريبة من شارع الملك.

شارع مصر والسودان الذي لا يزال الناس يسمونه بشارع الملك.هل هذا اسمه القديم أولأنه ينتهي عند قصر القبة؟ دقيقة أو اثنتين وكان في الشارع. الشارع طويل من الناحيتين.طويل كأن لا نهاية له من أي جهة. طويل يملأه الصمت والفراغ رغم أنه بالنهار يعج بالحركة والبشر.  المحلات كلها مغلقة كأنها لم تكن موجودة في الصباح. إلي أين يتجه. 

يسارا في اتجاه قصر القبة أم يمينا في اتجاه دير الملاك؟ يمينا حتي إذا وصل إلي محطة الدمرداش يكون المترو قد عاد للعمل بعد راحة الإفطار،فيأخذه إلي ميدان التحرير، ويكون الناس قد ملأوا الشوارع. لكنه قرر إذا وجد مقهي يجلس فيها. أجل. لابد أن يكون في المقهي أحد. 

يشرب شايه فيها معه. بعد قليل وجد مقهي علي اليسار فدخلها. كان إثنان  يتناولان إفطارهما ولم ينتهيا بعد. واضح أنهما يعملان بالمقهي. كان أمامهما صينية من البطاطس واللحم وأطباق من الأرز والسلاطة والمخلل. إنتبها إلي دخوله. قال أحدهما ضاحكا:

– معلش. حنكمل فطار بس. كان زمانا خلصنا والله بس تعمل إيه في البيه اللي صمم يعمل صينية بطاطس في الفرن.

كان يشير إلي زميله الذي يأكل معه ويضحك والطعام في فمه فيهتز جسمه. ابتسم هو وقال:

– بالهنا والشفا.

قال الذي كان يضحك والطعام في فمه:

– حضرتك فطرت؟

– الحمد لله.

–  حضرتك بتاكل بسرعة  أوي.

سكت مبتسما ولم يرد فعاد الأول يتكلم:

– علي فكرة حضرتك ما فطرتش. ياريت تيجي تاكل معانا.

– صدقني فطرت. أنا داخل القهوة علشان أشرب شاي.

– معلش. أنا والله عندي نظر. حضرتك   ما فطرتش. اتفضل معانا  ما تكسفش.

نظر إليه نظرة عميقة ووجد نفسه يقوم من مكانه ويجلس معهما ويقول:

– أنا فعلا مافطرتش.

 قدم أحدهما ناحيته صينية البطاطس وقال:

– اعتبر الصينية كلها بتاعتك. بالهنا والشفا.

وراح الآخر يغرف له الارز في طبق فارغ وبكمية كبيرة ويقول:

– لعلمك بأه أنا أحسن واحد يعمل رز في مصر.

وانهمكوا في الأكل لحظات، وفجأة نظر إليه أحدهما في دهشة.

– ياه حضرتك بتعيط؟

مسح براحته دمعا خفيفا بدأ يترقرق في عينيه وقال:

 

– بالعكس. أنا فرحان أوي. 

التعليقات “حكايات ساعة الإفطار(15-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *