fbpx

حكايات ساعة الإفطار(14-30)

حكايات ساعة الإفطار

رسائل العشاق

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

علي شاطئ المكس  صندوق بريد صغير معلق علي الحائط عند كازينو زفير، كلما مررت به تذكرت قصة الحب الضائع. جرت وقائع الحكاية  منذ أكثر من أربعين سنة. كان يمكن أن أنسي القصة كما ينسي العشاق، خاصة وأني تزوجت وصار أبنائي شبابا. لكن ما رأيته منذ أربعين سنة لا يمكن أن  أنساه. تقابلت عام  1966 مع فتاة من أسوان.كان اللقاء في أحد معسكرات الشباب. كان اسمها رقية. كانت سمراء واسعة عيناها، دقيقة ملامح وجهها.لم يبح أي منا بحبه للآخر.لكن بعد أن عدت من معسكر الشباب في حلوان تلقيت منها خطابا. لم يكن مرّ إسبوع علي فراقنا. لقد تبادلنا العناوين لأنه لم يكن في بيت أسرتي  تليفون. كانت الرسالة داخل الخطاب معطرة لأنها وضعت بينها زهرة من القرنفل. كان خطها جميلا وصغير الحروف. قالت لي في الخطاب بلغة عربية جميلة « هل لك أن تأتي إلي أسوان في زيارة وتنزل في فندق كاتاراكت الجميل « لقد أبدت استعدادا حقيقيا أن تعزمني في الفندق. كان والدها أحد المهندسين الكبار في مشروع السد العالي. أرسلت لها خطابا يحمل مشاعري الجميلة نحوها. جاءني بعد إسبوعين خطاب آخر  تصف لي فيه  سحر مدينة أسوان. سحر النيل وجزيرة النباتات وغيرها من معالم المدينة.أرسلت إليها خطابا أيضا أرد عليها ضمنته كثيرا من مشاعر الحب. وتلقيت خطابا آخر تعيد عليّ فيه أيام معسكر الشباب وكم كانت جميلة. لاحظت أنها في أي خطاب لاترد علي خطاباتي ولا تأتي علي ذكرها. هل لا تصل خطاباتي أليها؟. أنا أضعها في الصندوق الخشبي الوحيد في المنطقة. أرسلت اليها خطابا أسالها عن ذلك. لكن رسالتها التالية تأخرت كثيرا. ثم لم تعد تأتيني رسائل منها. في ذلك الوقت كان كازينو زفير مغلقا. وكانت هناك محطة سكة حديد مهجورة في المكس نادرا ما رأيت قطارا يأتي إليها، وكان دائما إذا جاء يكون قطار بضائع. حتي جاءني صديقي إسماعيل عبد السلام الذي يسكن  وأسرته معنا في نفس البيت، وطلب مني أن نخرج قليلا قبل مدفع الإفطار نجلس علي الشاطئ. كا ن الطلب غريبا فنحن في ديسمبر والجو شتاء. كان الشتاء ذلك الوقت حقيقيا وليس كما هو الآن. لم يكن هناك احتباس حراري في العالم يزيد من درجة حرارته، ولم تكن الحكومات المصرية  الجاهلة قد ردمت بحيرات مصر العظمي وعلي رأسها طبعا بحيرة مريوط. بحيرة  مدينتي الاسكندرية، فازدادت البلاد احتباسا علي احتباس. حرارة علي حرارة. وضاع شتاؤها. خرجت مع إسماعيل الذي كان حزينا جدا. وحكي لي قصة حبه الضائع. هويحب سميرة ابنة خالته في طنطا.لكنها لم تعد ترد علي رسائله. وخالته جاءت أمس لتعزمهم  علي زواج سميرة. كانت خالته وهي تتكلم عن العريس لا تبعد نظرها عنه كأنها تلومه علي عدم زواجه من سميرة. هي تعرف أنها تحبه وتعرف أنها ارسلت إليه كثيرا من الرسائل.لقد توقفت سميرة عن التعليم بعد الإعدادية لأنها طاغية الجمال، ولم يكن يمكن لأبيها الريفي أن يترك هذا الجسد الجامح يمشي في الطرقات.  

 لم يشترك أبدا في الحديث مع خالته. كل ما قاله إنه اعتذر عن الذهاب مع أسرته إلي الفرح. كان متأثرا جدا من ضياع حبه الأول. ومندهشا جدا من أن سميرة لم تذكر له أبدا في خطاباتها أنه وصلها خطاب منه. لقد توقفت عن مراسلته بعد الخطاب الخامس. وقالت أمها ذلك  بوضوح لأمه  اليوم بعد أن ظلت أمس لا تشير إليه. أخذنا الكلام والألم حتي انطلق مدفع الإفطار ولم نشعر. رأينا الدنيا خالية حولنا من كل البشر، وسمعنا صوت المؤذن يأتي من بعيد. قلت:

– نذهب للإفطار.

قمت اقف وقام معي، لكنا رأينا طفلين صغيرين لا يزيد عمر أكبرهما عن العاشرة يقتربان من صندوق البريد.نظرنا ناحيتهما فوجدنا أحدهما  يضع «مفك» في جانب باب صندوق البريد الخشبي ويفتحه بسهولة. تبادلنا النظر. إندهشنا جدا. «يااولاد الإيه. جايين ساعة الفطار علشان  ماحدش يشوفهم»  قال اسماعيل ذلك ثم صرخ فيهما:

– ولد. تعالي هنا انت وهو.

كان الذي فتح الصندوق  يحمل عددا من الخطابات في يده. تقدم إلينا مرتبكا خائفا وزميله جواره أكثر ارتباكا. قال حامل الخطابات بعد أن اقتربا منا.

– معلش والنبي. مش قصدنا حاجة.

سألتهما:

– انتم بتعملوا كده من زمان؟

– الولد أحمد بن عم جابر الصياد هو اللي علمنا كده. قال لنا إن الجوابات دايما عليها أسماء بنات.بنجيبها له يقراها ويكتب زيها لبنت المعلم زيدان.

تبادلنا أنا واسماعيل النظر في دهشة. كدت أنا أضحك في الحقيقة. سألهما اسماعيل:

– وهو عرف منين الكلام ده؟

– مش عارفين بس هو دايما يعمل كده. آه والله.

قال اسماعيل:

– وريني الجوابات.

مد الولد يديه بالخطابات وهو يرتعش. نظر فيها إسماعيل وأعطاها لي. كلها مرسلة إلي بنات حقا.

قلت للولدين:

– خلاص امشوا  وماتعملوش كده تاني. اللي بتعملوه  عيب وحرام كمان. ياللا من قدامي.

جري الولدان وبقينا أنا وإسماعيل ينظر كل منا إلي الآخر. ماذا يمكن أن نفعل الآن؟ لو أعدنا الخطابات  للصندوق البريدي سيعود الأولاد ويأخذونها. لو بحثنا عن أصحابها  وخاصة أن علي بعضها اسم الراسل، ربما نبدو نعرف سرا لا يريد صاحبه أن نعرفه.

قال اسماعيل في أسف:

– هكذا ضاعت سميرة.

قلت وأنا أهز رأسي:

– وهكذا ضاعت رقية.

زاد علي وجهه الأسف الذي ما لبث أن صار غيظا، وأمسك بكل الخطابات وقفز من سور الكورنيش المنخفض إلي الرمال، والقي الخطابات كلها في الماء.

– ماذا فعلت؟ يامجنون.

 

عاد قافزا إلي الشارع جواري لكني لم أعد منتبها إليه. كنت أنظر إلي الموج الذي عاد إلي الداخل ساحبا الخطابات  معه، والأسف يزداد علي وجهي. لكن فجأة عاد الموج إلي الشاطئ حاملا الخطابات   وقبل ان تستقر علي الرمال انفتحت وهي أعلي ذؤابات الموج، وخرجت من داخلها الرسائل تطير عاليا في الفضاء، وتتجه كل رسالة إلي ناحية في البلاد. رحت أرفع رأسي إلي السماء أري الرسائل تتفرق تحتها، وهو بدوره راح يفعل ذلك ولا يصدق ما يراه. تماما مثلي الذي لا يصدق ما جري حتي اليوم. ليتهم ألقوا رسائلنا في الماء.

التعليقات “حكايات ساعة الإفطار(14-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *