fbpx

حكايات ساعة الإفطار(13-30)

حكايات ساعة الإفطار

سمك وجمبري

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

سمع بعض أصحابه يتجدثون عن مائدة الرحمن التي يقيمها مرشح مجلس الشعب عن دائرة مينا البصل. المقاعد الخشبية الجديدة التي يجلس عليها رواد المائدة. المناضد الجديدة. الأطباق الصيني والأركوبال. أنواع الأكواب الفاخرة.  الطعام المقدم. لحوم مسلوقة وشوربة وكباب وكفتة وطواجن من الأرز المعمر. والأهم أن المائدة داخل سرادق كبير جدا بحيث لا يري من بداخلها أحد. وكيف  أن المرشح أحيانا ينضم إلي ضيوف الرحمن هؤلاء فيأكل معهم. إلا أنه رغم ماسمع لم يجد في نفسه الرغبة في الذهاب. مضي أكثر من عشرين يوما الآن من الشهر الكريم وهو يتنقل بين الموائد، وكلها تقدم الخضار واللحم حتي عافت نفسه الخضر واللحوم. لماذا لا يقدم أحد الأسماك في مائدته. اليوم عرف أن مطعم «سي جل» بالمكس قد أقام مائدة منذ أول رمضان. أحس بالأسف لأنه لم يعرف، لكن فليذهب إليه. هو يعرف مكان المطعم وإن لم يدخله أبدا من قبل. هو في الحقيقة من هواة موائد الرحمن، ليس عن حاجة شديدة. ولكن لأنه يعيش وحيدا بعد أن طلق زوجته منذ عامين. هوموظف في إدارة شركة باتا للأحذية بالقباري.  يختار منذ رمضان العام الماضي موائد شرق المدينة حيث لا يمكن أن يعرفه أحد. «سي جل» غرب المدينة، لكنه أيضا بعيد عن بيته بما يكفي حيث يسكن في منطقة المفروزة قرب عمله. إذن فليؤجل مائدة عضو مجلس الشعب التي هي ليست إلا رشوة مقنعة لانتخابه.

قبل مدفع الإفطار بساعة، كان قد انتهي من ارتداء أفخر ملابسه، ووقف ينظر في المرآة. بدلة انيقة لكنها موضة قديمة. لا بأس. المهم الكرافتة الحمراء التي ستعطيه فخامة فوق القميص الأبيض، وأخذ طريقه الي سي جل. ركب الأوتوبيس المتجه  إلي العجمي، ونزل منه عند شركة بترول المكس. سيمشي قليلا حتي سي جل. كانت ثلث  ساعة  تقريبا قد بقيت علي مدفع الإفطار. في الطريق إلي المطعم القائم علي البحر، نظر الي بعض المقتنيات القديمة أمامه، مثل الترام القديم والمدفع القديم، وراح يسترجع ما سمعه كثيرا عن المطعم  الذي أكل فيه الملك فاروق وفنانو مصر الكبار وقادة الحرب العالمية التانية. دخل إلي  المطعم فوجد المناضد كلها تقريبا ممتلئة بالبشر. «ياه كل دول زي حالاتي» وقف مترددا ومرتبكا فتقدم منه نادل في زي فخيم وقال «اتفضل»  مشي وراءه حتي ركن بعيد حيث منضدة صغيرة تسع شخصين،وأشار له بالجلوس  فجلس وقال النادل:

– معلش حضرتك اتأخرت كتير. مافيش غير المكان الصغير ده. بس برضه بيطل علي البحر.

قال  في سرعة ورضا:

– لا دا حلو أوي حد طايل!

 ارتبك النادل للحظة من طريقة كلامه، ثم ابتسم وقدم له المنيو – قائمة الطعام – التي علي المنضدة وقال:

– حضرتك ممكن تختار بس الوقت ضيق يعني، فياريت  تسيبني اختار لحضرتك.

– أيوة عليك نور اختار أنت.

ارتبك النادل من جديد، ثم عاد يبتسم، وجلس هو ينظر حوله. وجوه لامعة من البشر تكاد تكون حمراء. نساء جميلات.  رائحة البارفان تملأ الجو حوله.  مائدة رحمن؟ معقول؟ لكن هو ده المطعم.ليس هناك إلا سي جل واحد في الإسكندرية..

 حضر نادل آخر بسرعة حاملا كوبا من عصير قمر الدين، وطبقا من الخشاف، وزجاجة ماء معدنية، وكوبا كبيرا. وبعده بسرعة نادل آخر يحمل السلاطات والمخلل وبابا غنوج وطحينة وأنواع غريبة لا يعرفها من المشهيات. ثم جاء النادل الأول يحمل صينية عليها ثلاثة اطباق، في أحدها سمكة بوري كبيرة، وفي الآخر جمبري مشوي كبير، وفي  الثالث كاليماري مشوي، وطبقا من الأرز الأحمر المحشو بالجمبري، وسلطانية من الشوربة يظهر منها أطراف من الكابوريا و قطع الكاليماري والجمبري. وضع كل ذلك أمامه وقال:

– آسف جدا. بعد كده حضرتك تيجي بدري علشان تلحق الدنيس والمياس.

– هه. آه طبعا طبعا. دا أنا بكرة  حاجي من العصر.

وانصرف النادل مبتسما وزادت حيرته هو من هذا الجو البديع حوله، ولكن  انطلق مدفع الإفطار وارتفع الآذان من شاشة التليفزيون المعلقة علي الحائط، وانخرط الجميع في الأكل،وحط عليهم الصمت. راح هو يأكل علي مهل غير مصدق الهناء الذي يشعربه. وقال في نفسه  الحمد لله. بلا مجلس شعب بلا نيلة. وأشار للنادل الذي كان قد اختفي ثم ظهر هو وزملاؤه  يرفعون الأطباق.

قال النادل:

– الحلو متوفر. فيه كل حاجة.

ارتبك وقال:

– اختار لي انت برضه. النهاردة كله بتاعك.

ابتسم النادل وهز رأسه مستغربا، واختفي ليعود ومعه طبقا بالحلويات.

– شكرا.

قال ذلك وبسرعة التهم مافي الطبق. ثم أشار إلي النادل من جديد، فهز النادل رأسه من بعيد.

كان هويريد أن يسأل النادل هل لو جاء مبكرا حقا سيجد المياس والجمبري، لكن النادل فهم من إشارته إنه يطلب الحساب. لحظات وتقدم  النادل إليه ووضع الحافظة الجلدية السوداء أمامه.

– إيه دي؟

– الحساب يافند م. كنت تحب تشرب قهوة والا شاي الأول قبل الحساب؟

فتح الحافظة فوجد فاتورة صغيرة جدا أمسك بها وقال:

– حساب ايه؟

– حساب الفطار يافندم. متين  خمسة وسبعين جنيه بس.

 ارتبك وارتعشت مفاصله، انفجرت مسام وجهه وجسمه كله بالعرق، وقال بصوت مبحوح لا يكاد يخرج.

– هيا دي مش مائدة رحمن؟

ارتبك كل من في المطعم والنادل يمسك به من كتفه، وينادي زملاءه صارخا فيهم أن يأتوا بسرعة.

مشي معهم وهم يمسكون بكل مكان من ذراعيه وبدلته، والمدير الذي يجلس بعيدا جدا يراقب الموقف ويري دهشة الزبائن علا صوته وقال:

– سيبوه. إتفضل هنا.

وعرفت القصة بسرعة وانطلقت الضحكات بين الزبائن، كما ظهرت علامات الشفقة علي بعضهم. نظر اليه المدير وإلي ملابسه، ثم إلي النادل وزملائه، وقال بهدوء:

– دا شكل زبون لسي جل؟. وبعدين أنا شا يفه داخل قبل المدفع بربع ساعة، يبقي ده يعرف يعني إيه مطعم سمك. اتفضل يا استاذ روّح. مائدة الرحمن ورا المطعم. هنا المطعم نفسه.

ثم نظر لعماله وقال:

– وتمن الوجبة حاخصموا منكم.

أسرع هو خارجا لا يصدق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *