fbpx

حكايات ساعة الإفطار(12-30)

دكان هوا

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

كان صبيا يعمل في محل جزارة. تعلّم في المحل كل شيئ. الذبح والسلخ والبشكرة. أي إخراج المعدة والأمعاء وتنظيفهما، وطبعا الفرم وعمل السجق. كل ما يتعلق بالمهنة في الحقيقة. كان من أحلامه أن يخصص صاحب المحل جزءا منه كمطعم، لكن صاحب المحل كان يرفض ذلك ويقول له ضاحكا «علشان ييجوا بتوع الحكم المحلي والحي ووزارة التموين ياكلو بلاش. الله الغني» ويضحك.

 جاء اليوم الذي صار فيه كبيرا علي العمل عند أحد. لكنه ظل وفيا لمعلمه صاحب المحل. مات معلمه فلم يشأ وفاؤه أن  يجعله يتخلي عن بناته اللاتي كن بعيدا تماما عن المهنة، فهن ثلاثة تخرجن من الجامعات وتزوجت إثنتان منهما. لكنه لم يتحمل معاملة زوج إحدي المتزوجتين فقرر ترك العمل. استطاع بما ادخره مع الزمن ومعاونة زوجته التي باعت ذهبها كله، أن يؤجر محلا في شارع كبير في حي شعبي  ويعده للمهنة التي لا يعرف غيرها ويتقنها أكبر إتقان، ويحقق حلمه أيضا في تخصيص جزء كمطعم للكباب والكفتة. كان رمضان الكريم علي الأبواب فتوقع خيرا كثيرا. خفض أسعاره عن كل الجزارين، وفرش الرصيف بالطرابيزات الجديدة، وماكاد نهار أول يوم في رمضان يمضي حتي كان قد باع تقريبا كل كميات اللحم التي عنده، باستثناء ما أعدوه للشي من كباب أو كفته أو طرب أو موزة أو ريش.قبل المدفع بساعة تذكر ماقاله له معلمه الراحل عن رجال الحي أو التموين  فاستعد لهم بالتخفيض فقط في السعر. لكن لا أحد جاءه. فقط هلّ عليه أمين شرطة طويل لا تتوقف عيناه عن الحركة وقال له:

– الباشا متضايق من ريحة الدخان.      

إندهش جدا وقال باسما:

– هيا بتعدي الشارع.

– دي مش الريحة بس. الدخان نفسه بيدخل من شبابيك النقطة.

– كانت شبابيك نقطة البوليس أمامه مغلقة دائما. لقد تشاءم للحظة أن يستأجر محلا أمام نقطة البوليس. أحس بذلك وهو يكتب عقد الإيجار. لكنه استسلم للموقع والمنطقة الشعبية. ثم يمكن أن يكون في ذلك حماية له.هكذا حدث نفسه وقتها.

وقف أمام أمين الشرطة مترددا في الكلام ثم قال:

– مش عارف أقول لك أيه!

قال الأمين:

– ماتقولش حاجة. حيتعود. وبيني بينك الريحة برضه عاجباه. بيقول لك ابعت لنا فطار النهاردة.

ابتسم وقال:

– تحت أمرك. للباشا؟

– للباشا الكبيروالإتنين البهوات الصغيرين.

– يعني تلاتة!؟.

– بالضبط. عليك نور.بس قلل الكفته وكتر الكباب. ممكن موزة يبقي أحسن.أو أقول لك شكّل. كباب علي موزة علي طرب.

قبل المدفع بدقائق كان أمين الشرطة قد عاد إليه وحمل طعاما لثلاثة أشخاص. أعطاه الفاتورة فنظر اليها أمين الشرطة وابتسم ثم قال في رضا مصطنع:

– معقول برضه.

تكرر الأمر في اليوم الثاني والثالث. وأمين الشرطة يأخذ الفاتورة ولا يأتي بحساب. في اليوم الرابع وقبل المدفع بساعتين وجد أمامه عددا ضخما من رجال الرقابة علي السلع من وزارة التموين ومن رجال الحي. قال لهم وهو يشير للمحل:

– اتفضلوا ما عندناش حاجة تخوفنا.

لكن ظهر أمين الشرطة فجأة وراح يتكلم معهم بصوت غير مسموع، فانصرفوا جميعا مبتسمين. قال لأمين الشرطة:

– ليه ما سيبتهمش يشوفوا شغلهم.أنا ما عنديش مشكلة.

– حضرتك غشيم. هما اللي حيعملوا ليك مشكلة. وحلّني علي ماتثبت إنك صح. وبعدين حتضطر تدي كل واحد كيلو لحمة علي الأقل وكيلو كباب كل يوم. وحيجيبوا بعض. مادام عرفوا السكة.يعني حتقفل وتبيع الهوا بعد كده.

نظر إلي أمين الشرطة نظرة طويلة وابتسم وهز رأسه فقال الأمين:

– معلش الباشا بيقول لك النهاردة عازم ضيوف علي الفطار في النقطة. إبعت له فطار لخمسة.

 هز هو رأسه وانصرف الأمين.

بعد الإفطار والعمال تنظف كل شيئ قال لهم:

– معلش ياجماعة. كل واحد منكم يشوف ليه كام عندي. مش لازم تستنوا لآخر الإسبوع.

قال أحدهم ضاحكا:

– حتقبضنا النهاردة يا معلم. هي البلية لعبت؟

قال:

 

– لا. خلاص. حاقفل واشوف محل في حتة تانية. مش لازم استني لغاية ما أبيع الهوا.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *