fbpx

حكايات ساعة الإفطار(11-30)

حكايات ساعة الإفطار

بلاش تسافر

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

لثلاثة أيام تحاول أن  تقنع أمها بأن تتركها تفطر مع خطيبها خارج المنزل..

– ليه ياماما بترفضي أخرج معاه؟

– كفاية كده. سنتين خطبة ولا جاب شقة ولاعمل أي حاجة لمستقبله.

– ياماما مش بإيده.

– لأ  بإيده. جات له فرص كتير يسافر الخليج وكل  مرة يرفض. جوز أختك هناك بعت له أكتر من مرة.أخوكي كمان بعت له. وقلناله يسكن في الشقة اللي بابا اشتراهالك ورفض. إنتي بتحبيه علي إيه؟

– ياماما محمد شاعر  ومكانه هنا. مصر. وانتي عارفة أنا باحب الشعر والأدب. محمد مثقف ياماما واحنا بنحب بعض من أيام الجامعة وحضرتك عارفة.

كانت أمها تنظر اليها ساخرة.

– شاعر. بذمتك بتفهمي اللي بيكتبه. خلاص روحي  افطري معاه. بس ياريت تقولي له يحط نهاية للحكاية دي. فيه عشرة ورا الباب ده يتمنوا رضاكي. بعدين حتفطروا فين إن شاء الله.

– في المكس عالبحر عند الفنار. عند اللول.

– مين؟

– اللول. مطعم سمك شعبي علي المية علي طول.

– يالهوي. باحسبك حتقولي «سي جل». روحي ولما ترجعي ما تحكيليش حاجة.

وتركتها أمها في غيظ.

إختار محمد مكانا بعيدا بأمتارقليلة عن الناس. الموج تحت أقدامهما والفنار القديم أمامهما وعلي الشاطئ  فقراء حي القباري والورديان الذين آثروا البقاء علي الشاطئ طول النهار، وسيمضون أيضا جزءا من الليل فالجو صيف. صوت الموج الذي يتهادي إلي الشاطئ لا ينقطع. والشمس هناك في الغرب تنزل إلي الماء وتصبغ الأفق بحمرتها الشهية. سفن تقف بعيدا جدا تنتظر دخولها إلي الميناء. سفينة خارجة من الميناء تبتعد في الماء. عامل من عمال المطعم القليلين يضع أمامهما أطباق السلاطة.حين وضع العامل أطباق السمك هتفت سعيدة:

– الله. كابوربا وكاليماري ودنيس كمان!

–  كميات بسيطة بس قلت أنوّع في الأكل.

– أول مرة في حياتي أكل جنب المية كده. المكان هنا حلو أوي.

كان هو ينظر الي طيور النورس التي تدور فوق الماء. تبتعد وتعلو ثم تعود. تنزل إلي الماء تخطف شيئا وترتفع به الي الفضاء ثم تعود للدوران. لاحظت هي ذلك أيضا فقالت:

– هو النورس بينزل المية ليه؟

إبتسم وقال:

– بيلقط السمك.

– جميل أوي.

قالت ذلك بطفولية عذبة. وانطلق مدفع الافطار فبدأ الحاضرون في الأكل بينما قام بعضهم يصلي بعد أن فرد مصلية كانت معه علي الأرض. وانساب صوت الشيخ محمد رفعت يؤذن بصوته الذي  خلقه الله للسكينة والوداعة والرضا.

سكتا قليلا وراحا يأكلان في صمت. طال الصمت فقالت:

– أنا مش عايزاك تسافر.

إبتسم وعاد للأكل فقالت:

– إحنا كده كويسين وأنا مش حاتخلي عنك أبدا.

إرتبك للحظة ثم عاد يمضغ الطعام شاردا يفكر أنه لابد قد أثير في منزلها كلام عن تخليها عنه.

– بس أنا خلاص. حاسافر.

هلّت الفرحة من عينيها وافترشت وجهها.

– معقول. يعني وافقت؟

 ثم وضعت يدها علي يده وقالت:

– مقتنع ياحبيبي؟

– مقتنع. لابد من نهاية يا آمال.

وعادا إلي الصمت وراح من جديد ينظرإلي طيور النورس. رأي أحدها يترك السرب الذي يدور بينه ويقترب من الشاطئ ثم يعود إلي السرب من جديد.ومرة أخري عاد الي صخور الشاطئ يحوم فوقها ويعود إلي السرب البعيد فوق الماء.

– حاجة غريبة. طائر نورس جه مرتين يطير فوق الصخور ويرجع للسرب الأصلي فوق الميه.

ابتسمت وقالت:

– عادي مش بيطير. وبعدين ازاي عرفت إنه هو نفسه.

قال بلهفة:

– بصيّ. أهو جاي.

نظرت حيث أشار فرأت طائر النورس يقبل مسرعا في الفضاء ويدور أكثر من دورة فوق الصخور، ويرتفع ثم ينخفض ثم يرتفع من جديد،ثم يهبط بسرعة فائقة يصل برأسه إلي الصخور ويعود يرتفع ويمضي بعيدا فوق الماء. لكنه ارتفع جدا وبشكل فائق ثم صرخ صرخة مدوية وسقط بسرعة إلي الماء ليختفي وسط الموج. ابتعدت طيور النورس بسرعة في كل اتجاه وحلّقت عاليا وبدأت تصرخ وبدا أنها ستترك الشاطئ.

قالت بدهشة:

– ماذا جري؟

لكن اللول صاحب المطعم وهوصياد قديم وقف قريبا منهما يقول:

– نورس غشيم. نزل الصخر خطف كابوريا. أكيد غرست رجلها فيه. مات.  البحر واسع قدامه وكله خير ليه بس يروح للصخر.

طال بينهما الصمت وهما يستكملان الإفطار. في اللحظة التي انتهيا فيها قالت له بشفقة وخوف:

– أنت بتحبني يامحمد؟.

نظر اليها نظرة عميقة كلها شغف وحب وقال:

– قد البحريا آمال.

قالت وهي تمسك بيده:

 

– خلاص. علشان خاطري بلاش تسافر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *