fbpx

حكايات ساعة الإفطار(10-30)

تامر يؤذن

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

دعاني أحد ألاصدقاء الشباب للإفطار أنا وزوجتي عنده. ذهبنا قبل الموعد بساعة. سرّ صداقتنا هو صداقة زوجتينا، بل كانت زوجته تلميذة لزوجتي في المرحلة الإعدادية،وهي الآن مدرّسة في المدرسة التي تعمل زوجتي مديرة لها. جلست أنا وهو في الصالة نتحدث والتليفزيون مفتوح أمامنا لا نهتم به. تركناه لإبنه وإبنته التوأم  يتفرجان  ويقلّبان  في قنواته. ولداي لم يكونا معنا فهما متزوجان. إبنه وإبنته  في العاشرة. سألني وهو يشير اليهما:

– ايه رأي حضرتك في الولاد. بيصوموا. باحاول أعودهم علي الصيام، وصاموا التلات أيام اللي فاتوا.

قلت:

– مش عارف  لكن أنا أشعر إن الصيام  غير مناسب لسنهما. 

 نظر إليّ في دهشة وقال:

– معقول؟ لا. المفروض  يتعودوا  علي الصيام. العاشرة سن مناسب جدا، خصوصا إننا في الشتاء والفطار ييجي  بسرعة.

–  مش عارف. أنا أصلي تربيت في بيت بسيط. أبويا الله يرحمه كان متدين جدا لكن في مسألة الصيام ماكانش  يضغط علينا في سن مبكر. فاكر  إني صمت أول مرة في سن اتناشر سنة  تقريبا. وحتي في السن ده أبويا كان دايما يقول لي إذا جعت أوي كل. الدين يسر ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. عارف  حاحكي لك حكاية لطيفة جدا.

ووجدت نفسي أحكي له حكاية مضي عليه نصف قرن تقريبا. كان رمضان في الصيف. وكنت أصوم لأول مرة. وزارتنا جدتي من الأرياف محملة بالبط والأوز والفطير المشلتت.  لم تطبخ أمي شيئا ذلك اليوم. فقط أعدت عصير قمر الدين. كان من عادة أبي أن يطلب من أمي وضع الأكل علي الطبلية قبل المدفع بعشر دقائق مثلا أو ربع ساعة. كان يعتبر انتظارنا للمدفع والأكل أمامنا نوعا من الثواب نأخذه لأن في الانتظار شيئا من  العذاب. في ذلك اليوم الذي كان الأكل فيه جاهزا وضعته امي علي الطبلية قبل نصف ساعة تقريبا.كان أبي سعيدا جدا وهو جالس أمام الطبلية يقرأ القرآن في صمت من مصحف قديم وينتظر المدفع. أمي جلست في الحجرة الداخلية وراحت مع جدتي في حديث طويل. أختاي الأكبر مني جلستا أمام الطبلية في أدب. كنت ألاحظ أحيانا أنهما تنظران إلي بعضهما في شيئ من الحسرة. في ذلك اليوم كنت أريد أن أثبت لنفسي قدرتي علي الصيام. لكن منظر البطة والأرز المعمر والفطير المشلتت وعسل النحل كان شيئا لا يمكن مقاومته. إنسحيت بهدوء خارجا من باب البيت. كنا نسكن في مساكن السكة الحديد وكل بيوتها دور واحد. كان هناك جامع صغيريؤذن فيه المؤذن بلا ميكروفون. لم نكن نعرف الميكروفونات إلا في الأفراح. وقفت تحت النافذة وأذنت المغرب. رفعت صوتي بقدر ما أستطيع. إنتهيت من الأذان بسرعة ودخلت البيت،فوجدت الجميع يشربون العصير ويبدأون في الأكل. جلست وأكلت معهم في صمت. لاحظت أن أبي ينظر إليّ أكثر من مرة. ارتبكت جدا وخفت. لابد أنه عرف صوتي. في منتصف الأكل أذن المؤذن  في الجامع. لم يكن لدينا راديو. لم يكن أحد يمتلك راديو في المساكن. وطبعا لم يكن التليفزيون قد ظهر. توقفت أمي عن الاكل وقالت. استغفر الله العظيم. مين ابن الحرام اللي أدن وخلانا فطرنا قبل الميعاد. نظر إليّ أبي وقال خلاص. إحنا ماغلطناش وحسابنا عليه عند ربنا. كملوا أكل» اكمل الجميع الأكل في صمت. وبعد ذلك اخذني أبي إلي الغرفة وقال لي هامسا، ماتعملش كده تاني يا مصطفي. ارتبكت وخفت وقلت هو انا عملت إيه؟ قال لي أنت اللي أذنت. أنا عارف صوتك. ما أخدتش بالي علشان كنت مشغول بالقرآن. لكن لما أذن المؤذن الحقيقي انتبهت. افتكرت إني سمعت صوت زي صوتك.أمك برضه عارفة صوتك بس كانت مشغولة بالكلام مع جدتك وكويس إنها ما خدتش بالها زيي. وخواتك البنات عارفين صوتك بس ما اتكلموش علشان أكيد كانوا جعانين.ودول حسابهم معايا. كده يابني ذنب كبير تتحمله في السن ده. جعت كل. مش أنا قايل لك كده؟

ضحك صديقنا الشاب  وضحكت معه وارتفع صوتنا جدا. قال:

– وما ضربكش مثلا؟

– لا.

– والد حضرتك دا كان متسامح أوي.

قلت:

– كان يختم القرآن في رمضان في المنزل. أنا حفظت تقريبا نص القرآن من استماعي له. كان زمن وكانت ناس.

بعد لحظات ارتفع الآذان في غرفة داخلية في شقة صديقي. نظرنا إلي بعضنا في دهشة  وانطلقنا نضحك. نادي بصوت عالي.

– ياتامر. تعالي هنا.

وجاء تامر إبنه من الغرفة يرتعش.

 قلت:

–  ارجوك  ما تزعلوش.

حاول صديقي الشاب  إخفاء ابتسامته وقال:

– جعان؟

قال تامر:

– لا.

–  انت جعان.. أمال بتدن ليه؟ ادخل المطبخ عند ماما كل أي حاجة اتصبربيها.

 

أسرع تامر إلي المطبخ وانطلقنا نضحك من جديد.  لقد سمعني وأنا أحكي الحكاية وطبعا لم يكن ممكنا أن يخرج ليؤذن في الشارع، فالعمارة عالية وشقتهم في الدور السابع والمساجد كلها تؤذن في الميكروفونات والتليفزيون أمامنا مفتوح علي التمثيليات ولم يبدأ فيه القرآن الذي يسبق الآذان بعد. وأكيد لم ينتبه تامر من فرط الجوع أننا سنكتشفه بسهولة.وقامت خلف تامر أخته  أيضا وأنا لا اتوقف عن الضحك.    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *