fbpx

حكايات ساعة الإفطار(8-30)

معه دائما...

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

حين يأتي رمضان من كل عام يعرف أنه سيمصي الساعتين السابقتين علي مدفع الإفطار مع زوجته في المطبخ.

ساعتان لمدة شهر يمضيهما معها سعيدا. يراها وهي متحمسة في الطهو وتطلب منه أن لا يسألها عن شيئ ولا يتدخل في أي شيئ. فقط يتفرج فوجوده يجعلها سعيدة. حدث هذا منذ أول رمضان يمر عليهما بعد الزواج. لم يكن يعرف شيئا عن الطهو. قالت له أن عليه فقط إعداد السلاطة فأمرها سهل. عاما بعد عام بدأ يساهم بمجهود بسيط. أن يقوم بتقشير البطاطس مثلا او تتبيل اللحوم قبل شيها، أوسلق الدجاجة والتخلص من الريم الذي يطفو علي سطح الماء. أو يقف قليلا أمام السمك يقليه أو يغسل الأرز، أو يعد عصير قمر الدين أو الخروب او غيرها من العصائر، وفيما بعد تقشير البصل ليضحكا معا علي حالته. كان يفعل دائما شيئا واحدا بينما هي تفعل شيئا آخر.وكانت تعجبه مهاراتها في انجاز كل شيئ في وقت قياسي.ولما سألها عن سر المهارة قالت له ضاحكة «نظام بينما» فسألها يعني إيه، فقالت يعني بينما يتم سلق الفرخة يتم غسل الأرز، وبينما يتم شي اللحمة يتم غسل الادوات التي استخدمت. يعني ماتعملش الحاجة ورا بعض، لكن مع بعض. ثم قالت له أن أجمل ساعات رمضان هي التي تقضيها الزوجة في إعداد الإفطار. الوقت يمر بسرعة، ويمر بسرعة أكثر حين يكون هو معها، فهي تطهو الطعام وتتحدث معه ويضحكان كثيرا. أحيانا كانت تطلب منه أن يخرج من المطبخ فيقول باسما:

– ملوخية النهاردة؟                                   

– آه.                                   

– نفسي تعمليها قدامي.

 تضحك.

– لا تبوظ.

– طيب إنتي بتعملي إيه بالظبط؟

– بعدين أقول لك.

– أنا عارف. بتشهقي؟

– الله بأه إسمع الكلام. والا عايز الملوخية تبقي زي المية.

يضحك ويخرج. يبتعد قليلا عن المطبخ ثم يعود بسرعة فتكون هي في انتطاره باسمة تهز رأسها.

– عارفة إنك حترجع. مش حاعمل حاجة الا ما تبعد خالص في الصالة عند التليفزيون.

يبتسم ويبتعد إلي التليفزيون. ويجد نفسه بعد لحظات ينادي:

– خلاص؟

يأتيه صوتها حلوا:

– خلاص تعالي.

 يدخل يواصل العمل معها.

كبر الأولاد ومرت السنون وماتت. السرطان اللعين الذي أفصح عن نفسه بعد أن تفشي في الجسد، فخرجت من العمليات إلي الرعاية المركزة الي الله. كان ذلك بين العيدين. وكان ولداه قد كبرا. الأول في العشرين من العمر والثاني في الثامنة عشر. الأول أمامه عامان في الجامعة والثاني في الثانوية العامة. كان عليه أن يتماسك أمامهما بأكبر قدر ممكن. هذه سن خطرة ومن كانت تنتبه الي حياة الولدين ودّعت الدنيا. كانت لا تسمح لهما بالبقاء كثيرا في الشارع. تتابع تحركاتهما ودراستهما أكثر منه هو المشغول في أعمال كثيرة. صار عليه الآن أن يقوم بكل شيئ. كانت تقول دائما أن الشارع والمدرسة والجامعة صارت مناطق الخطر. ومهما بذل الأهل من جهود في التربية فهذه الأماكن صارت تفسد كل شيئ مالم ينتبه الأهل.وتربية الصبيان أصعب من البنات لأن اعتدادهم بنفسهم أكبر وطاعتهم لأهلهم أقل. صار عينا لا تغفل عن ولديه. صار أبا وأما. قلل من أعماله الخاصة. وصار هو الذي يطبخ، وعلّمهما استخدام الغسالة، وعلّمهما أن يقفا معه أحيانا وهو يطهو الطعام ليتعلما ما تعلمه من أمهما. بالليل يناما ويظل هو وقتا طويلا يتألم في صمت يتذكر أيامهما الجميلة. لا يريد أبدا أن يبدو أمام الولدين  حزينا حتي لا يفتح جرحهما.

عاد  شهر رمضان كما يعود دائما. الأيام لا تقف من أجل أحد. قال لنفسه ذلك في حسرة. استعد له كما يستعد كل عام. إشتري ما كانت تشتريه زوجته من أطعمة وياميش وبلح. قرر أن يجعل رمضان مبهجا مثل كل عام، وأن لا يشعر الولدان بفقد أمهما.  دعاهما إلي المطبخ معه قبل الموعد بساعتين. صاروا يتحدثون في كل شيئ. هو يفتعل الحديث عن أي شيئ لينسي إنه كان يقف هنا معها، وهما بدوريهما أحسا بذلك فكانا يفتحان معه أحاديث عن كل شيئ في المدرسة أو الجامعة أو أصحابهما. ودائما كانا يحكيان أشياء تثير ضحكه وبهجته.أنجزا ما كان يطلبه منهما من إعداد للسلاطة أو غسل الأرز اوإعداد العصير وغيره من الأشياء البسيطة. بعد أن انتهوا من كل شيئ كانت دقائق قد بقيت علي مدفع الإفطار، فراح يعطيهم صواني الطعام والأرز وزجاجات العصير والأكواب وسلطانيات الشربة الطعام  والأطباق الفارغة التي سيفرغ فيها كل منهم مايشاء من الطعام، وهما يحملان ذلك  إلي السفرة في الخارج.  توضأ الولدان استعدادا للصلاة حين ينطلق المدفع. راح هو ينظم الأشياء علي السفرة ثم توضأ بعدهم. وحين انطلق مدفع الافطار وأذن المؤذن للصلاة قاموا وصلوا في الصالة خلفه كما تعودوا كل عام، ثم عادوا إلي السفرة وجلسوا. إنتبه الإبن الأصغر إلي  الأطباق الفارغة التي أمامهم  فضحك وقال:

– بابا حضرتك حطيت علي السفرة أربع صحون  واحنا تلاتة.

قال الأكبر وهوينظر إلي الأواني كلها علي السفرة:

– صحيح. حتي الكوبايات الفاضية علشان العصير أربعة وسلطانيات الشوربة أربعة وكمان الشوك والسكاكين والمعالق أربعات، واحنا شيلنا كده الحاجة للسفرة وماخدناش بالنا.

انتبه الأب فسكت  قليلا  وراح يقاوم دموعه التي صعدت إلي عينيه فجأة، ثم قال بصوت متهدج غير قادر علي منع نفسه:

– ماما حتاكل معانا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *