fbpx

حكايات ساعة الإفطار (5-30)

الحكاية الخامسة

شفشق وأبريق

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

جلسا معا علي المقهي صامتين. «شفشق» و«أبريق». هكذا يعرفان وسط اللصوص.هما من أبناء منطقتين  عشوائيتين  قريبتين. يحبان الجلوس هنا حيث المنطقة الأرقي. نشاطهما كله خارج  منطقتيهما. لا يظهران فيهما إلا في الصباح وهما يغادرانهما، وفي وسط الليل حين يعودان. أطلق عليهما زملاؤهما هذين الاسمين من حرصهما علي نظافة ثيابهما ونظافتهما الشخصية، والعطر اللذي يحرصان علي وضعه علي ملا بسهما. قال شفشق:

– فيه راجل اشتري تليفزيون عندنا في الزقاق.عايزين نسرقه.

اندهش أبريق جدا وقال:

– يعني إيه. ما كل الناس عندها تليفزيونات؟

– دا بالذات ما كانش لازم يشتري.

– أنت غريب أوي.ليه؟

– علشان مراته بتيجي كل ليلة تسهر مع أمي واخواتي تتفرج علي التليفزيون عندنا، وبصراحةالمرة حلوة وصغيرة.

– يخرب بيتك إحنا في رمضان

.- ماهودا اللي معذبني. ليلة أول رمضان بس اتجاوبت معايا. بصت لي بصة ياجدع سيبت مفاصلي.

– إوعي تكون عملت حاجة.

– بصت لي وقالت لامي أنا عايزة اشرب شاي بالنعناع، ونفسي اعمله بنفسي وتشربي من إيدي علشان أنا باعمله حلو أوي. وقبل أمي ما تنطق قامت للمطبخ وبصت لي تاني. قمت دخلت وراها. لاقيت نفسي هاجم عليها، صدتني بإيديها وقالت لا. بكرة رمضان حرام. بعد رمضان مش حاحرمك من حاجة.

إندهش أبريق وأخرج مطواة من جيبه الخلفي وقال ضاحكا:

– علي النعمة دي ست عايزة الدبح. طيب وانت عايز تسرق التليفزيون ليه؟

– علشان ترجع تسهر مع امي.أمي دلوقتي اللي بتسهر معاها…مش عارف جوزها جاب فلوسه منين. تليفزيون اتناشر بوصة.

– هوبيشتغل إيه؟

– مكوجي رجل.

– ومستكتر عليه اتناشر بوصة.انت مفتري ياجدع.

وانطلقا يضحكان. ثم قال شفشق:

– بص أنا عملت الخطة كلها. إنت ماحدش يعرفك في حتتنا. انا حاجيب لك المفتاح بتاعهم.

– إزاي يعني؟

– هي حتديهولي.

– يعني هي موافقة؟

– طبعا. هي كمان عايزة تسهر مع أمي. قالت لي علي الأقل أشوفك لحد ما يخلص رمضان.

إندهش أيريق جدا وقال:

– طيب بالزمة اللي زي دي مستنية رمضان يخلص ليه. ماهي رايحة جهنم رايحة جهنم؟

سكت شفشق لحظة وقال:

– برضه الأمل حلو.

– طيب يانبيه حاروح لوحدي؟

– انت عارف بيتي. البيت التلات أدوار اللي جنبنا.الشقة يمين السلم الدور التالت.هي مش شقة طبعا. اوضة وصالة.زي بتاعتنا. التليفزيون في الصالة علي طول. وبكرة ساعة الفطار أحسن وقت. الناس كلها  مخزّنة  في البيوت. وهي وجوزها معزومين عند حماتها. خلاص؟

– خلاص. حتجيب لي المفتاح إمتي؟

– أهو المفتاح.

أخرجه من جيبه فضحك أبريق وقال:

– يابن الإيه؟ دا انت محضر كل حاجة. وتقول لي حاجيب لك المفتاح.

– التليفزيون دا تمنه ييجي خمسميت جنيه. أنا مية  وانت مية  وهي الباقي. حنبيعه في أبعد حتة في مصر.

في اليوم التالي ساعة الإفطار كان إبريق يصعد السلم علي حذر. فتح باب الشقة وانتهي بسرعة من حمل التليفزيون، والنزول به محمولا أمامه علي صدره، وراح ينزل السلم في هدوء. عند باب العمارة  وجد أمامه رجلا يدخل مسرعا. وقف أمامه متخشبا والرجل ينظر إليه في دهشة فقال:

– شفت حضرتك قلة الأصل بتاعة لناس. تليفزيون زي ده أجيبه لحد هنا يقول لي ميت جنيه. علشان عارف إني محتاج يعني؟!

– مين ده؟

– الأخ المكوجي اللي ساكن فوق.

نظر الرجل إلي التليفزيون متوجسا قليلا، وراح يتامل «أبريق» الذي بدا له أنيقا تفوح منه رائحة طيبة وقال:

– طيب وانت عايز كام؟

– متين مثلا.

تردد الرجل قليلا ثم قال:

– مية وخمسين. إيه رأيك؟بس أجربه.

اصطنع ابريق التردد ثم قال:

– الأمر لله بدل ما ارجع بيه تاني البيت.

ودخل مع الرجل الي شقته فأشار إليه ان يضعه قريبا من التليفزيون القديم  الذي يملكه. كان قد أشار لزوجته أن تدخل غرفة أخري.أوصل التليفزيون الجديد بإيريال التليفزيون القديم والكهرباء و«أبريق» يقف قلقا يحاول أن يخفي رعبه.

– الله ده جديد  وصورته حلوة أوي.

وترك الصالة الصغيرة إلي الغرفة ثم عاد معه مائة وخمس وعشرين جنيها. أخذها أبريق قائلا:

– زي بعضه.

وقبّلها ثم صافح الرجل وخرج. ما إن وجد نفسه علي السلم حتي أطلق ساقيه مغادرا المنطقة كلها.

علي المقهي البعيد قابل شفشق الذي حين عرف ما جري هتف:

– يا ليلة سودا. دا حتصل مصيبة. أكيد مرات القهوجي حتحكي الحكاية والمكوجي حيعرف.

– هو اللي اشتري التليفزيون قهوجي؟

– أيوة. ماهو ساكن في  الشقة اللي جنب السلم في الدور التاني الل يبتقول إنك دخلتها معاه.

– باقول لك ايه. احنا مالناش دعوة. المهم خلاص مافيش تليفزيون وهيص انت بأه.

– أهيص. ربنا يستر والراجل ما يشكش إن مراته علي علاقة بالقهوجي، خصوصا انك دخلت بالمفتاح، يعني مش حيلاقي أي أثر لغريب. ممكن يفكر إنها اللي اديته المفتاح. وممكن من الضرب تعترف.

التعليقات “حكايات ساعة الإفطار (5-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *