fbpx

حكايات ساعة الإفطار(4-30)

الحكاية الرابعة

مائدة من هواء

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

 

أمسكت بورقة من شجرة كافور ودعكتها في يدها. شمتها وانتعشت. هل كان ما تراه الآن موجودا حين جاءت من هذا الطريق منذ ساعتين. إذا كان ذلك فكيف لم تره. هل يكون وقت طويل قد مضي بما يكفي للأرض أن تنفجر منها ترعة كهذه تنمو علي جانبيها الحشائش والأشجار؟

لابد أن تسرع بالعودة قبل أن ينطلق مدفع الافطار. هكذا قال لها أبوها. لا تستطيع أختها الصغيرة التي لم تبلغ السابعة بعد أن تحميها في هذا الفراغ. ولا تستطيع هي التي في الثانية عشر أن تحمي أختها.ربما لهذا يبدو أبوها حزينا لانه لم ينجب الولد بعد.لكن أختها الصغري توقفت وقالت:

– تعبت

جلستا تحت شجرة كثيفة الأوراق.ورأت الكبري الشمس تبتعد عن الدنيا وطرف السماء البعيد يلتهب عند الأفق، وقالت الصغري:

– حنرجع نقول إيه لبابا وماما!؟

لم ترد الكبري التي كانت تري علي الضفة الأخري من الترعة بيوتا تنتصب فجاة أمامها، لكنها كلها  موصدة الأبواب ولا صوت يصدر عنها. قالت لأختها الصغري:

– شايفة اللي انا شايفاه؟

– أنا مش شايفة حاجة غير الترعة والشجر.

– فيه بيوت قدامك أهه بس مقفولة.

– انتي جعانة زيي وبتحلمي. مافيش حاجة.

– كمان الترعة فيها بط ووز.

– انتي ليه جبتينا من السكة دي؟

– ماعرفش غيرها. بابا بياخدني معاه لما يزور عمي. بيقول أقرب.

– أنا سمعت مرات عمي بتكلم عمي في الأوضة اللي جوة.

– أنا كمان سمعتها. ليه قالت مش موجود؟ يعني علشان بابا بعتنا نستلف منه فلوس!. دي حتي ما قالتلناش اقعدوا افطروا معانا.

– قالت لنا مع السلامة علشان تفطروا مع بابا وماما وما يقلقوش عليكم.

قالت الصغيرة ذلك وهي تضحك ثم اردفت في ضيق:

– يعني ماتعرفش إن مافيش أكل في البيت، وإن احنا جينا نستلف الفلوس علشان نشتري فطار!!

تركتها الكبري واتجهت إلي الترعة، وراحت تتفرج علي البط السابح في الماء. ولما رأت بطة تغطّس منقارها في الماء وترفعه وقد علقت به سمكة صغيرة ضحكت وهتفت:

– تعالي شوفي البط بيطلع سمك من المية وياكله.

لكن الصغري لم تتحرك. عادت اليها الكبري وجلست جوارها علي الأرض. فقالت لها الصغري:

– الدنيا بتضلم وانتي بتشوفي حاجات غريبة. المدفع زمانه ضرب ولا فطرناش.

فكرت الكبري لحظة وقالت:

– جعانة؟

– حاموت من الجوع.

ضحكت الكبري وقالت:

– حاكلك أكل عمرك ما أكلتيه.

وراحت باصابعها تصنع دائرة كبيرة على الأرض الترابية وقالت:

– دي طبلية. نفسك تاكلي إيه؟

لم ترد الصغري التي ضحكت. والكبري بإصبعها أيضا رسمت  دائرة صغيرة داخل الدائرة الكبيرة وقالت:

– دا طبق ملوخية.

انطلقت الصغري ضاحكة، فاستمرت الكبري ورسمت أكثر من دائرة صغيرة وقالت:

– وده عيش. شوفي كتير قد إيه.

ضحكت الصغري وقالت:

– الملوخية عايزة رز.

رسمت الكبري دائرة وقالت:

– ودا ياستي طبق رز. عايزة لحمة؟

قالت الصغري بشغف عميق:

– فرخة.

 رسمت الكبري ما يشبه الدجاجة وقالت:

– آدي الفرخة قطعي منها زي ما انتي عايزة.

ضحكت الصغري ضحكة صافية وقالت:

– دا ما فيش معلقة.

قالت الكبري.

– كلي بايدك النهاردة. معلش.

وراحتا تأكلان من الدوائر المرسومة على التراب وتستمتعان وتضحكان حتي استلقت الكبري علي ظهرها وقالت:

– شبعت أوي. إنتي لسة جعانة؟

 تمددت الصغري جوارها وقالت:

– شبعت خالص. أشيل الطبلية والصحون؟

قالت الكبري:

– خليها شوية يمكن حد يعدي جعان يلاقي حاجة ياكلها. ياللا بينا نروح لحسن زمان بابا وماما قاعدين قلقانين علينا.

نهضتا ضاحكتين وأسرعتا في المشي، ثم توقفت الكبري وأمسكت بزراع الصغري وقالت.

– صعبان عليا أوي بابا وماما. مش حيعرفوا يعملوا زينا وياكلوا.

 

واندفعا معا في بكاء أليم مالبث أن تحول إلي ضحك بهيج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *