fbpx

حكايات ساعة الإفطار (3-30)

حكايات ساعة الإفطار

مائدة الرحمن

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

تعود مرسي أن يتناول إفطاره في موائد الرحمن. حين انتشرت هذه الظاهرة في سبعينات القرن الماضي كان صغيرا. كان أبوه يأخذه هو وأخيه وأمه الي مائدة بعيدة من بيتهم الكائن  في دير الملاك. يختار الأب مائدة قريبة من قصر القبة حتي لا يراهم صدفة أحد من الجيران. كان مرسي يسمع أمه تقول لأبيه.

– ياخويا ليه مشحططنا كده بس ما كل جيرانا بيفطروا في الموائد زينا.

 وكان أبوه يضحك ويقول:

– حقا. داممكن حرامي يدخل ساعة الفطار يقشقش البيوت كلها.

 فترد الأم:

– وتفتكر يعني الحرامية مش عارفين. عارفين بس كمان عارفين إن البيوت فاضية مافيهاش حاجة تنسرق.

 ويضحكون جميعا.

مرت السنون ومرسي يتمني أن لا يكون يوما من زبائن موائد الرحمن. تخرج من الجامعة وصار في شهر رمضان يرفض أن يذهب مع أبيه أو امه إلي أي مائدة. لكنه لم يجد عملا يجعله يساعد أسرته في الحياة ويغنيهم عن ذلك.وحين وجد عملا وجده في مدينة الاسكندرية. بالصدفة كان انتقاله للعمل إليها قبل رمضاب بأيام. وجد له مسكنا مع عدد من زملائه الأغراب في منطقة القباري حيث عمله في إحدي شركات النقل هناك. كان قد تخرج من كلية التجارة. ولم يجد عملا في القاهرة في الحكومة أو القطاع العام. كان كل عمل يعرض عليه لا يزيد عن عامل في محطة بنزين ومرتبه من التيبس، البقشيش الذي يحصل عليه، أو جرسونا في مقهي وكذلك أيضا مرتبه. كان يعرف أن هناك من زملائه من وجد عملا في بنك أو وزارة أو مصنع، لكنه أيضا كان يعرف أن ذلك لن يتوفر له، فلا واسطة ولا محسوبية يمكن أن تفيده، ولا رشوة يمكن أن تدفعها عائلة تقضي رمضان علي موائد الرحمن.

حين وجد شركة تعطيه راتبا ثابتا وافق علي الفور رغم انها في الإسكندرية.شجعه أبوه قائلا:

– كويس خالص كمان أنت اسمك مرسي يعني اسكندراني. وإن شاء الله في الصيف نصيف عندك مرة قبل مانموت.

 أما أمه فقد خافت عليه جدا من بنات اسكندرية، وبالذات بنات بحري. قالت له يابني انت شفتهم في الأفلام شكلهم إيه استغفر الله العظيم. دا أسهل حاجة عندهم المايوه. وكان يضحك ويقول لها يا أمي دا كان زمان. الدنيا اتغيرت وخلاص ما فيش فرق بين بنات بحري وقبلي.كلهم الحمد لله يا بالحجاب يا بالنقاب. وفي نفسه كان يتمني أن يأتي الصيف ليري شواطئ هذه المدينة التي لم يزرها أبدا، ويري النساء علي الشواطئ  بالمايوهات كما تقول أمه، وإن كان يعرف أن ذلك لن يحدث، لكنه ظل علي أمل حتي إنه سأل  زميلا له عن ذلك فانطلق يضحك ساخرا واعتبره أهبل أو مسكين. لكن زميله قال له أيضا:

–  دا موجود لكن في الساحل الشمالي والشواطئ الخاصة في العجمي مثلا.

 سأله بدوره:

– يعني إيه خاصة؟

قال له:

– يعني تدفع مرتبك علشان تدخل وتقضي طول الشهر جعان – ثم سكت لحظة وقال – خلينا في المهم أنت حتعمل إيه في رمضان؟

ارتبك وقال:

 – يعني ايه؟

 قال زميله:

-يعني حتفطر فين؟ ليك قرايب هنا تفطر معاهم مثلا؟ إنت عارف رمضان يحب اللمة.

–  لا  ماعرفش حد. نفطر مع بعض.

 ضحك زميله وقال:

-يبقي انت زميل بجد. حتيجي معايا موائد الرحمن.

أبدي له امتعاضه  فقال زميله:

– إسكندرية غير القاهرة. هنا كل حاجة نضيفة. وبعدين قرفان ليه كده؟

 لم يشأ أن يقول له أنه من غيرالمعقول أن يمضي عمره في موائد الرحمن.سكت وترك نفسه لزميله يأخذه إلي الموائد.في أول مائدة وكانت في بحري قريبة من جامع سيدي المرسي أبو العباس كانت بالفعل نظيفة. الطرابيزات طويلة فوقها مفارش بيضاء نظيفة، والأطباق ليست صفيح بل زجاج لامع نظيف، ودوارق الماء زجاج أيضا والأكواب لامعة والملاعق مصقولة. لا شيئ قديم أو قذر هنا. والطعام يطهي بعيدا عنهم داخل المحل الذي يقيم المائدة، والذي ينقل الطعام فتيات صغيرات جميلات ونظيفات، وهواء البحر يطل عليهم، وصوت الموج يهدهد أعصابهم، ولا ضجيج في الشارع مثل القاهرة. وكلما اقترب انطلاق مدفع الافطار زاد الهدوء وصوت الشيخ القادم من جامع أبو العباس المرسي جميل يبعث علي الطمأنينة. ما أجمل الاسكندرية. لن يعود إلي القاهرة أبدا.

إنطلق مدفع الإفطار وارتفع صوت المؤذن من جامع سيدي المرسي، فترك المائدة التي صارت عامرة بالأكل والشرب، ووقف يصلي علي سجادة طويلة فرشها صاحب المائدة إلي جوارها علي الأرض. حين رأي هذه السجادة لم يسأل أحدا عن معني وجودها، وقال في نفسه أكيد هي للصلاة. والحقيقة أن صاحب المائدة وضعها لتكون مثل الحدود حول الجالسين، فإذا مرت سيارة لا تقترب منهم، كما أنها تعطي المكان جمالا إضافيا. لم يكن من الصعب أن يولي وجهه ناحية القبلة. فجامع المرسي أمامه وهذا بابه، كما أن البحر في الشمال خلفه. ولّّي وجهه الي الجنوب مائلا إلي الشرق قليلا، ونظرحوله فلم يجد أحدا يقف يصلي معه. رأي زميله يبتسم وهو يشرب العرقسوس. قال لابد أن أحدا سيقف يصلي معه لكن لم يقف أحد. لم يكن ممكنا أن يتراجع. الله اكبر الله اكبر وبدأ الصلاة ولا أحد يتقدم ليصلي معه. لم يكن أمامه إلا الاستمرار في الصلاة. في لحظة فكر أن ينهي صلاته بسرعة، لكنه استفغر الله وراح يصلي علي مهل كما ينبغي. ما إن انتهي حتي رأي الجالسين علي المائدة ينصرفون. لم يكن قد بقي فوقها إلا بقايا طعام متفرقة.نظرإليه زميله وضحك قائلا:

 – بعد كده ابقي صلي بعد الفطار. إنت عمرك مافطرت في مائدة رحمن؟

سكت. كان الجوع يقرصه في بطنه بشكل كبير، فمد يده الي دورق به عنّاب وشرب منه ثم قال:

– الحمد لله. والله عمري ما شبعت زي النهاردة. 

 

لكنه في نفسه قرر أن لا ينسي هذا الدرس في الأيام القادمة.

2 تعليقات “حكايات ساعة الإفطار (3-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *