fbpx

حكايات ساعة الإفطار (2-30)

حكايات ساعة الإفطار (2-30)

يا عالم الأسرار

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

يملك كشك سجاير علي ترعة المحمودية، في المنطقة الممتدة بين حي كرموز وحي راغب. كان أغلب سكانها زمان من بائعي الترمس.  اليوم ظهرت فيها العمارات العالية واشتد فيها الزحام. حين كانت شبه خالية كان الجميع يعرفون برعي، لكن كل من عرفه مات أو رحل عن المنطقة.  وبرعي لم يفكر أبدا أن ينتقل بالكشك إلي منطقة أخري. لا يزال لا يبيع فيه إلا السجائر والبسكويت. في البداية، في سبعينات القرن الماضي، كان يبيع فيه القصب. عيدانا أو قطعا للأولاد والكبار. لم يعد القصب في حلاوة قصب زمان. وتطور أولاد الأحياء الشعبية فلم يعودوا يمصون القصب في الطرقات ولا يلعبون به. برعي الآن في السبعين. صار له ولد وبنت  وأحفاد أيضا، لكنه لا يستمع إلي مطلبهم أن يرتاح تاركا العمل. حين يأتي إبنه أو بنته لتقف معه لا يحتج، لكنه لا يوافقهما علي تنويع بضاعته. قال لهم بشكل واضح «زمان كنت أقف لأبيع وأكسب وأربيكما. الآن اقف لأنه لا يمكن أن أمضي مابقي من عمري جالسا في البيت. كما إنني انتظر إشارة من ربنا». استقر الولد والبنت علي أن أباهما فقد كثيرا من عقله، وليس أمامهما غير الانصياع له وتركه علي ما يريد. 

لم يكن برعي يكذب.ذلك أنه يضع في الكشك «ريكوردر» يسمع منه كل عصر قصيدة رباعيات الخيام. يفعل ذلك منذ أربعين سنة. والناس القدامي علي قلتهم يعرفون غرام برعي برباعيا ت الخيام دون أغاني أم كلثوم كلها.كانوا يتعجبون منه هوالذي  لا يعرف القراءة ولا الكتابة. يقولون في عجب من زمان برعي لا يسمع إلا رباعيات الخيام.وكان هو قد سمعها أول  مرة حين اشتري الراديو.  ارتاح لها رغم أنه لا يفهم منها إلا القليل. انتظرها في اليوم الثاني في الإذاعة فلم تأت. وهكذا لعدة أيام حتي عادت. تاه معها وسبح في الفضاء. ولما اختفت مرة أخري اقترح عليه  عبد الحكيم الوافد الجديد إلي المنطقة، أن يشتري هذا الريكوردر، وشريط  تسجيل فيه رباعيات الخيام، ويسمعها في أي وقت مادام يحبها كل هذا الحب. وهكذا لم تعد تفارقه حتي في رمضان، إذ ينساب القرآن الكريم قبل الإفطار من كل البيوت، لكنه  وحده يسمع رباعيات الخيام.وعبد الحكيم أدمنها معه.

ذات مرة. قبل ان ينتهي رمضان بإسبوع قال لعبد الحكيم أن يساعده ويكتب له خطابا لأهله في الصعيد. كان المعروف عن عبد الحكيم إنه يعمل في شركة الغزل والنسيج بكرموز. ولم يكن أحد يعرف إنه ترك قريته حزينا لانقلاب المعدية وغرق زوجته التي لم يمض علي زواجهما شهر.

قال لعبد الحكيم:

– ايه رايك تفطر معايا. أنت وحيد وأنا وحيد. وتكتب لي الخطاب قبل الإفطار.

وافق عبد الحكيم فقال له:

– وياريت تفطر معايا كل يوم بعد كده.

جلس عبد الحكيم أمام الكشك. كان الجو شتاء. والناس دخلت بيوتها فبل الإفطار. ولا أولاد يلعبون في الشارع. وضع له برعي طرابيزة صغيرة وفوقها المسجل الذي يعمل بالحجارة إذا ابتعد به برعي عن الكشك، ويصله بالكهرباء إذا كان داخله. ووضع شريط قصيدة رباعيات الخيام، ثم قدم أوراقا وقلما لعبد الحكيم، وجلس يملي عليه.

فكر برعي كيف يبدأ وكان عبد الحكيم يستمع للأغنية. أملاه برعي:

«والدي العزيز. والدتي الحبيبة. إخواتي الطيبين. زوجتي. ولكن عبد الحكيم  الذي حملته القصيدة بعيدا، كتب سمعت صوتا هاتفا في السحر.. نادي من الغيب غفاة البشر.  وقال برعي خلاص هانت قربت أحوّش الفلوس  اللي ح أجر بيها الشقة واجيب مراتي معايا. وكتب عبد الحكيم: هبوا املأوا كأس المني قبل أن تملأ كف العمر يد القدر.  يقول برعي كان نفسي أكون معاكم في الأيام المفترجة دي، لكن أنا باخاف علي القرش علشان افتح بيت في اسكندرية، وعبد الحكيم يكتب غد بظهر الغيب واليوم لي وكم يخيب الظن بالمقبل. انا دلوقت عندي كشك بأبيع فيه  وبطلت شغل في الخرسانة، كتافي وجعتني يابوي وأنا مش حمل بهدلة.وعبد الحكيم يكتب لبست ثوب العيش لم استشر وحرت فيه بين شتي الفكر. انت عارف يابوي أنا من يومي صحتي علي قدي، علشان كده ربنا وقف لي ولاد الحلال ساعدوني آخد الكشك ده من المحافطة وعبدالحكيم يكتب   فما أطال النوم عمرا ولا قصّر في الأعوام طول السهر. برعي يقول  ساعدني موظف كبير في المحافظة طلب بس أديله كل شهر خمسة جنيه لمدة سنة. والحمد لله قادر أديله. وعبد الحكيم يكتب فكم توالي الليل بعد النهار. وطال بالأنجم هذا المدار، فامش الهوينا  إن هذا الثري من أعين ساحرة الإحورار. صار عبد الحكيم يسبح مع الأغنية وفي ملكوتها، فلم يعد يسمع ما يقوله برعي. صار يكتب الأغنية وبرعي يلاحظه وهو يكتب بسرعة حتي وهو متوقف عن الكلام ويقول  في نفسه يمكن دي طريقته أنا أصلا ما اعرفش أكتب. لكن برعي وهويقول أن يسامحه أبوه لأنه لم يرسل لهم نقودا حتي الآن تساعد في شراء الدواء لأمه المريضة، انفتحت عيناه للدموع بينما كان عبد الحكيم يبكي وهو يكتب  يامن يحار الفهم في قدرتك. وتطلب النفس حمي طاعتك. أسكرني الإثم ولكنني صحوت بالآمال في رحمتك. إن لم أكن اخلصت في طاعتك. فإنني أطمع في رحمتك. وإنما يشفع لي أنني قد عشت لا اشرك في وحدتك. حتي انتهت الأغنية وبرعي صامت ينظر لعبد الحكيم الذي يكتب ياعالم الاسرار علم اليقين. يا كاشف الدر عن البائسين. يا قابل الأعذار. عدنا الي ظلك فاقبل توبة التائبين.

انتهي عبد الحكيم فقال برعي:

– حقك عليا خليتك اتأثرت باللي بأقوله وبكيت.

مسح عبد الحكيم دموعه بمنديله القماش وقال:

– تزعل مني لو قلت لك انا ما كتبتش ولا كلمة من اللي انت قلته.

قال برعي حائرا:

– يعني ايه؟

–  كتبت الأغنية. وعايز أبعتها لواحد كلنا بنحبه. عايزه يحبنا ويزيح عننا كل شر.

إرتبك برعي جدا فواصل عبد االحكيم:

– عايز أبعتها لربنا.

نظر إليه برعي مندهشا مأخوذا  ثم قال:

– وتوصل؟

– إن شاء الله.

قال ذلك عبد الحكيم وكتب علي المظروف «الي الله في السماء» 

ودق مدفع الإفطارفراح برعي يضع علي االطرابيزة الصغيرة طبق الفول الذي اشتراه من قبل والبصل وعدة أرغفة وراحا يأكلان. قال عبد الحكيم:

 

– بكرة الصبح قبل ما تفتح الكشك تحط الجواب في البوسطة. وإن شاء الله  حيجيلنا  رد.

2 تعليقات “حكايات ساعة الإفطار (2-30)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *