fbpx

قراءة سوسيولوجية في رواية “طابق 99”.. لـ جنى فواز الحسن

قراءة في رواية

شرنقة الهويات

طابق 99″ عنوان بخط كبير يلوح لك في أعلى الغلاف كلوحة إعلانية تعانق ناطحة سحاب.. اللون الأصفر برمزيته الخريفية الحزينة يدمغ وجه الأرقام ويرمي بك على حين غفلة من البرج العالي نحو بيوت كدّست بعضها فوق بعض، أغلبها بنوافذ من دون أطر كأنما شرعتها الريح للآخرين كي تستباح حرمتها.. تفكّر: أهذه هي بيوت الصفيح القابعة في ضواحي المدن المترفة، حيث الجوع والفقر والبرد والجهل وتعاطي المخدرات؛ لن يخطر في بالك – ربما – أن هذه هي مخيمات شعب اغتصبت أرضه فشتّت في بلاد عصرت دمه كرمة تثمل بها بمجون في ليالي حربها الشعواء.

مقدمة

طابق 99″ رواية نُسجت خيوطها ببراعةٍ في السرد وتخضّبٍ ذاتي ليس ببعيد عن ميدان الحدث، بإحساس عميق وجرأة أدبية تخطّت الكثير من التابوهات المجتمعية.

جنى فواز الحسن” كاتبة تحكي تفاصيل الهوية الصارخة بين “الأنا” و”الآخر”.. اللبناني والفلسطيني.. المسلم والمسيحي.. الذكورة والأنوثة.. في ميدانٍ (لبنان) تخضّب بالحرب الأهلية والإقطاع السياسي الطائفي الذي عمل على إقصاء الآخر وتصفيته رغبة منه في التفرّد بالسلطة وأطماعها.

لم تكتفِ جنى الحسن بأن تروي حكايات الهويات القاتلة وما تسببه للآخر من شروخ جسدية ونفسية، وإنما جعلت من روايتها نصّاً اجتماعياً يحكي رغبات الجسد الإنساني، وكيفية تلاؤم الأيروتيكية مع البيئة الاجتماعية، كما جعلت من روايتها حروفا متمرّدة تبيّن أن الإنسان فاعل اجتماعي، بإمكانه كسر الأطر الموروثة والخروج عن التلقّي السلبي لإيعازات التنشئة الأسرية والبنية الاجتماعية القائمة، وإن كان هذا الأمر لا يتحقّق عموماً إلا بالتثاقف والتحليق بعيداً خارج الشرنقة؛ وهذا أمر سنكتشف حيثياته في تفاصيل قصة حب جمعت بين هيلدا اللبنانية المسيحية ومجد الفلسطيني المسلم، ما يعكس إبداع الكاتبة في تجاوزها للخصوصية التشكيلية الجمالية للنصّ، وتقديم رواية تستلهم الواقع الذاتي- الاجتماعي- الموضوعي، لتحقّق الحياة فيها استمرارها وتجاوزها لذاتها، ولتكون الرواية على حد قول باختين “أداة معرفةٍ وشكلٍ تعبيريًّ كاشفِ لتحولاتِ عميقة في بنية المجتمع“.

الأنا” و”الآخر” في تعدّد الهويات

إذا كان آلان تورين “Alain Touraine” في كتابه introduction à la” sociologie” قد اعتبر أنّ الهوية هي نتاج سيرورة طويلة تخصّ استبطان القيم التي تفرضها الأيديولوجيا المسيطرة؛ فإنّ هذه الهوية ستكون شديدة الحضور في حياة الإنسان، من دون أن تتفرد في صياغة شخصيته، ذلك لأنّ الإنسان كائن اجتماعي متعدد الهويات، كلٌ منها يستحضر لوجوده ثنائية صورة الذات/ الآخر، وهذا ما يجعلنا نتبنّى مقولة جيمس مارك بالدوين J. M. Baldwin”” بأنّ “الأنا والآخر مولودان معاً”؛ ما يعني أن “الآخر” ضرورة ملحة يتمّ توظيفها في بلورة هوية “الأنا” وفي تنظيم الخصوصية الثقافية.

بناءً عليه، ففي رواية “طابق 99” نحن لسنا بإزاء وجه واحد للذات/ للآخر، بل بإزاء عدة أوجه وهي: الذات الفردية ممثلة بالراوية/ البطلة (هيلدا) في مقابل الآخر حبيبها البطل (مجد)، فضلاً عن ثلاث صور للذات الجماعية الـ(نحن) وهي ومرتبطة على التوالي بالهوية: الجندرية (الذكور مقابل الإناث)، الدينية/ الطائفية (المسيحيين مقابل المسلمين)، الوطنية (الفلسطيني مقابل اللبناني، وأحياناً مقابل كلّ من هو غير فلسطيني).

إذا كانت هيلدا هي “الآخر” ثلاثي الأبعاد بالنسبة لمجد، فإن هذه “الآخروية” المتعددة هي ما تجعلها موضوعاً مكثفاً لشهوة الحبيب (مجد) في استملاكها والخوف من خسارتها، فعقب نقاش “مجد” مع “هيلدا” التي أرادت مغادرة نيويورك والعودة إلى وطنها لبنان بحثاً عن ذاتها وعن حقيقة ما كان يجري خلال الحرب الأهلية، نقرأ على لسان مجد ص169: “قلت لها اذهبي وابتعدت، لم آخذها في ذراعيّ، ولم أكمل المحادثة، لم أكن أريد أن أفهم، لم أكن أريد أن احتضنها أيضاً، لماذا أفعل إن لم يكن حضني كافياً لتعتبره وطناً؟ كنت أريدها أن تذهب إلى عائلتها، أن تذهب إلى ماضيها، فقط لكي تعود إليّ مستسلمة وضعيفة، عندها، كنت سأقرّر، إن أردت احتضانها“.

ليست كلمات البطل في هذا السياق مجرد خطاب لغوي إخباري، إنّما هو خزان للرموز ولدلالات الهويات المتكاملة في شخصية مجد، الرجل الفلسطيني المسلم، الذي تركته مجزرة صبرا وشاتيلا، أثراً من جرح عبَرَه الزمن، ولم يعبره سلام النفس المدمّاة بآلام الجسد.

 

وهنا لا بدّ لنا من القول إن صورة الذات الطائفية كانت شبه غائبة في تصوير البطل ضمن الرواية، في حين حضرت بقوة الذات الذكورية بموازاة الذات الفلسطينية في مقابل الآخر، الأنثى اللبنانية.

أ‌- "الفلسطيني" بين صورة الذات وصورة الآخر

ليست الصورة على الدوام انعكاساً مطلقاً للواقع، إنّما هي نسق تصوّري يطوّره الإنسان وينسبه إلى ذاته أو إلى الآخر، فضلاً عن أن الصورة التي يتمّ تمثّلها تخضع في تركيبها لمتغيّرات عدة: مكانية وزمانية، تاريخية وثقافية، نفسية واجتماعية، يدركها القارئ في خضمّ الرواية.

بناءً عليه فصورة مجد لذاته مرتبطة بالماضي أكثر من ارتباطها بالحاضر، هو الفلسطيني الذي عانى التشتّت وسكن المخيمات بكلّ ما تحمله من دلالات قسوة الحياة الاجتماعية والتردّي الاقتصادي والتوتّر الأمني وغيره من الظروف المجتمعية التي تبلور صورة الذات المقهورة على الرغم من الترقّي الاقتصادي والاجتماعي الذي وصل إليه مجد بعد انتقاله وتعلّمه وعمله في نيويورك، فها نحن نقرأ ما يقول البطل عن نفسه ص14: “على الرغم من أنني أصبحت ميسور الحال نسبياً بعد معاناة سنوات من الحرمان، لم أتمتّع يوماً بالذوق الرفيع كأن ذلك خاصية للمترفين، تولد معهم ولا يكتسبها الفقراء… كنت أشتري شراشف عادية بيضاء، وقطع أثاث غير متناسقة في معظم الأحيان… وبدا اللون البني الداكن الذي كان يظلّل معظم أرجاء المنزل كأنه امتداد لبيتي القديم، كأني نقلت المخيم إلى هنا من غير قصد“.

 وإذا ما عرفنا أنّ المخيم الذي يتكلم عنه مجد هو مخيم صبرا وشاتيلا في لبنان، والذي أضحى بعد عام 1982 رمزاً للجريمة والعنصرية والإبادة الجماعية، فسوف ندرك حتماً حجم القلق النفسي الذي خلّفه المكان في تكوين الصورة الذاتية النفسية والجسدية لبطل الرواية، وفي هذا السياق ندرك آثار الشخصية الخائفة من صورة ذاتها في حديث للبطل مع هيلدا، حيث نقرأ هذا الحوار في الصفحة 17:

سينتحر الحب حين تذهبين… ستستغرقين في عالمهم وتصدقين ما قد يخبروه عني.

 لن يحدث هذا.

 ماذا ستقولين؟ أنا مغرمة بفلسطيني أعرج؟

 تكشف مثل هذه الكلمات أنّ خوف مجد من خسارته لهيلدا مرتبط بطبيعة صورته لدى أهلها كما بصورة أهلها لديه (المسيحيون الكتائب الذين شاركوا في قتل أهله بالتواطؤ مع الاسرائيليين ص178)، فحسب تشارلز كولي “Charles Cooley” إن مفهوم “الذات – المرآة” يشير الى تخيّلنا لما نبدو عليه في نظر الآخرين، وتخيّلنا أيضاً لحكم الآخرين علينا، وهذه التخيّلات يترتب عليها شعور معين لدينا يحدد معظم تصرفاتنا في مختلف المواقف.

 بأسلوب سردي ممتع تكشف الكاتبة أن الإنسان فاعل اجتماعي يعيش سيرورة التثاقف مع “الآخر”، ويخضع لديناميكية التغيير والتحولات السوسيو- ثقافية، وبالتالي فإن صورة الأنا كما صورة الآخر لديه، ليست استاتيكية ثابتة، إنّما هي قابلة للتعديل بفعل تجارب الحياة، هذا مع التأكيد على نسبية ديناميكية الصورة المتمثلة؛ فإن كان تغيير البيئة الاجتماعية من لبنان إلى نيويورك قد جعل صورة “الآخر” تتغير لدى “مجد”، في حين بقيت صورة الأنا لديه شبه ثابتة، فإننا نرى أنّ صورة الأنا نفسها قد تغيّرت لدى هيلدا.

 وهكذا نقرأ على لسان مجد ص165 متحدثاً عن هيلدا التي ينتسب أهلها إلى حزب الكتائب “لو كنت التقيتها قبل سنوات، لقلبت الطاولة على رأسها لمّا عرفت من أهلها، لكن الوقت كفيل بتغييرنا، الخروج من الشرنقة الضيقة للحياة ومخالطة أناس آخرين، في بلاد عديدة، معظمهم احتمال عدو، يجعلك أكثر تقبلاً للآخر“.

 وإذا ما كانت التجارب المعاشة قد أضفت على صورة الآخر تعديلا لدى مجد فإنّ صورة الأنا الـ(نحن الجماعية: الفلسطينية) كانت تتغذى من مصادر تاريخية ونفسية وثقافية عديدة، وذلك بهدف الحفاظ على الهوية الفلسطينية في مواجهة الحرب والاستعمار ومحاولات الهوية “الإسرائيلية” في خلق امتدادات وجذور لها في فلسطين، وهكذا نقرأ على لسان مجد ص35: “هذه كفر ياسيف التي لم أعرفها يوماً والتي وضعت اسمها مراراً على محرك البحث غوغل لكي أحصل على بعض صورها ولم أنجح في العثور سوى على لقطات قليلة….”، وفي كلامه عما تركته مجزرة صبرا وشاتيلا من ندوب في وجهه وإعاقة في رجله نراه يقول ص42: “كنت أفكر هل الناس متعنتة فعلاً، أم إنني أنا الخائف، الغارق في المأساة لأني أجد فيها كياناً“.

 وعندما نعرف أنّ مجد، بالرغم من الثراء المادي الذي حقّقه في أميركا، فقد كان يرفض إجراء عملية تجميلية لوجهه أو عملية جراحية لرجله، فإنّنا ندرك أنّ البطل الحبيب الذي قبل التعديل في صورة “الآخر”، يصرّ على الاحتفاظ بصورة “الأنا” بكلّ ما تحمله من جراح وآلام وذكريات موجعة تجعل من العودة إلى فلسطين حلماً سرمديا تتوارثه الأجيال جيلاً بعد آخر.

 

في المقلب الآخر، كشفت الرواية أن صورة الأنا الـ(نحن الجماعية) لدى هيلدا قد طرأ عليها الكثير من التحوّل، وهذا ليس فقط بفعل التثاقف مع الآخر (التعلّم في نيويورك) وتنوّع العلاقات مع الآخرين (ماريان الصديقة الأميركية- إيفا الصديقة المكسيكية – مجد الحبيب الفلسطيني)، إنما بفعل الفرادة في الشخصية التي تجعل الإنسان يطرح الأسئلة الوجودية، يبحث عن الحقائق المضمرة، يتخطى التابوهات الاجتماعية ويخضع ذاته وجماعة انتمائه الأصلية للنقد والمساءلة، لقد تميّزت هيلدا بمثل هذه السمات المتمردة التي تجعل منها شخصية مرنة قابلة للتغيير، ففي طفولتها كانت البطلة (المسيحية) عاجزة عن التعلم بالتلقين السلبي فكانت ترفض تكرار فعل الندامة الذي تتلوه الراهبات على التلميذات، متضمناً الإقرار بالخطيئة واستحقاق العذابات الجهنمية (ص50) كما كانت تسأل عن ماهية الله وصفاته (ص232)؛ فضلاً عن أنها حين كبرت اختارت الرقص المسرحي كي تتعلمه في نيويورك، وتخلّت بشكل إرادي عن عذريتها البيولوجية في علاقة عابرة قبل التعرّف بمجد (ص238) لتعود لاحقا إلى بلدتها (المتن/ لبنان) وتكتشف عن قرب تشوّهات صورة الأنا الجماعية التي طالما ألصقت بها (القتل على الهوية – اكتشاف كذب والدها بعدم قتل الفلسطينين لعمّها ومعرفة سبب انتحار هذا الأخير المرتبط بالضعف الجنسي- اكتشاف الرغبة المضمرة في استمرار القتل لدى أهلها)، ولتقرر العودة إلى حبيبها الفلسطيني في نيويورك كدلالة على رفضها لصورة الأنا العنصرية، في دعوة مضمرة لدى الكاتبة إلى خلق قيم أصيلة في عالم تسود فيه الهوية الإنسانية من خلال التفاعل الحرّ وقبول الآخر.

ب‌- الجنسانية وصور التنميط الجندري:

قد يكون للتنميط الاجتماعي عموما وظيفة نفسية اجتماعية تتجلّى في فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الجماعات، فضلا عن توجيه سلوك الفرد وإدراكه وتفاعله مع الآخرين، أما حين يكون التنميط جندريا في مجتمع بطريركي فإنّما هو يهدف إلى إبقاء المرأة كآخر، تابع، ذي مكانة دونية، مسيطر عليه من قبل الرجل، السيد المستقل الولي.

بسرد روائي مدهش، تسلّط جنى فواز الحسن الضوء على بنية اجتماعية بطريركية تحكم قبضتها على صور نمطية جندرية يتبنّاها أصحابها برضا واقتناع، ومن دون أن تثير فيهم التساؤل والاستنكار إلا لماماً، وما ذلك على حدّ قول بيير بورديو إلا لأن النساء كما الرجال هم ضحايا وسجناء للتمثل المهيمن.

منذ مطلع الرواية (ص9-10) يطالعك عدد من الكلمات والمصطلحات التي بها يصِف مجدٌ جسد هيلدا وحركاتها (عيناها عسليتان – أنفها دقيق- شفتاها ممتلئتان- شعرها طويل بني- ما بين الأنف والشفة العليا طراوة تغري… تتلفّت بخجل إلى أردافها- كانت الصغيرة تفرّ منّي- صرت استشيط غضبا كلما رفَعَتْ رأسها أثناء المضاجعة لتراقب نفسها…) لتتضّح لنا الصورة النمطية للمرأة/ الأنثى المرغوبة من الرجل البطريركي؛ إنه يبحث عن المرأة الجميلة، الصغيرة، الدقيقة، الطرية، التي لا تدرك ولا تبصر إلا بناء على رغبته، وغير ذلك مما قد تبدو فيه ضمن إطار تبعية فكرية وجسدية تحت سيطرة الرجل وقوته وعنفه وسلطانه.

وإذا كانت هيلدا صورة نموذجية للجمال، فإن صديقتها إيفا المكسيكية تحمل صورة الجسد المغري الذي يسلب الرجل عقله ويوقعه في الخطيئة العابرة مهدّداً استقرار البناء الاجتماعي، فنقرأ وصف مجد لها ص192: “كانت ترتدي بنطلون جينز ضيق وقيمصا أسود يبرز منه نهداها الكبيران، لكنها كانت جميلة ومغرية، امرأة فيها الكثير من الكنوز، والشبق باد من نظرات عينيها كتلك النساء اللواتي ينادينك من دون أن يتلفظن بكلمة واحدة”.

وإذا كان جسد هيلدا كما صديقتها إيفا المكسيكية صورة نموذجية للجسد الجميل المغري، فإنّ هذا الجمال لا يلزم الرجل (مجد)، إذ بصرف النظر عن ندبة وجهه وإعاقة رجله التي تعطي هويته الفلسطينية المهشمة مسوّغاً أقوى للاستمرارية ومقاومة الهويات الأخرى، فإنّ الجسد الذكوري لمجد يفترض حسب المخيال الاجتماعي أن يبتعد ما أمكن عن كلّ ما له علاقة بالمواصفات النمطية للجسد الأنثوي المرجو فيه الجمال والنعومة والإغراء.

فيما خصّ العلاقة الجنسية بين الحبيبين مجد وهيلدا تبدو الصورة النمطية راسخة للغاية بين الرجل العنيف المسيطر جنسياً وبين المرأة الضعيفة الخاضعة لرغبات الرجل وهيمنته، فعلى الرغم من إعاقة مجد الجسدية نراه يحكي عن علاقته الجنسية بهيلدا ص82 قائلاً: “كان عليّ أن أدرّبها لتعتاد على إعاقتي، عندما عرفتها كنت آخذها بين ذراعيّ وأبقيها هناك حتى أشعر أنها أخذت تتهاوى بين أصابعي التي تتحرك في تلك المسافة بين ثدييها وردفيها وأنتظر حتى تصبح واهنة ومستسلمة، لأقول لها كيف يجب أن تتحرك بشكل متناسق مع جسدي”، وهذا ما يكشف عن علاقة جنسية متباينة في فاعلية أطرافها بين رجل فاعل وامرأة مفعول بها، في محوريةٍ للإيلاج وفي فصل تامّ بين دور الفاعل ودور المفعول به في هذه العلاقة.

إنّ ما يبدو لنا أيروتيكياً في بعض تفاصيل العلاقة بين مجد المبادر وهيلدا المطيعة، كان ينقلب هوامات سادية في فكر البطل حينما ابتعدت عنه الحبيبة عائدة إلى لبنان، لقد كانت خيالاته الجنسية عنيفة انتقامية، بها يريد أن يقلّص شخص هيلدا إلى مجرد جسد أنثوي يلبّي متعته الذكورية فقط؛ ففي ص146 يقول: “في لحظات، كان ينقلب كلّ الحب إلى حقد عليها، وتنتابني رغبة في أن تكون هنا لكي أشدّها من شعرها إلى جسدي وأراقبها وهي مذعورة، في تلك الوضعية، كانت تبدو لي كفأرة صغيرة تحت سيطرتي تماماً، وكنت أحشر وجهها بين فخذيّ وأسمعها تتأوه”.

إنّ السنوات التي قضاها مجد في نيويورك لم تكن قادرة على أن تبدّل هويته الذكورية، وإن كانت قد رسمت على سطحها تحولات باهتة لا تلبث أن تتناثر بفعل الهابيتوس المتكون بضخّ من التنشئة الاجتماعية والمخيال الجماعي، وإذا كانت شخصية البطل المتثاقف أمريكياً لم تضطرب أمام فقدان العذرية البيولوجية للحبيبة في نيويورك بداعي خصوصية البنية الثقافية، فإنّه لم يكن هو نفسه واثقاً من تخلّصه من المخيال الذكوري الشرقيّ المرتعب من شبق الجسد الأنثوي وتحرره المهدد لهويته الفحولية.

هكذا نرى مجد ص179 يستذكر صورة أمه وكيفية معاملتها لأبيه ووصف هذا الأخير لها كامرأة بكر على الدوام، وكأنّ ما يقوم به هو مقارنة اجتماعية بين صورة أمّه في مخيم صبرا وشاتيلا وبين صورة هيلدا في نيويورك ليتضح أمامنا سلطان التمثلات الاجتماعية التي تحيا باستدعاء الذاكرة كسيرورة إنقاذية على حدّ تعبير عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس.

إنّ خوف مجد من تحرّر جسد هيلدا يؤكّد مقولة “كارين هورني” Karen Horney من أنّ الذعر والهلع الذي ينتاب الرجال تكمن جذوره في الجنس؛ وهو أمر نرى آثاره في مكان آخر من الرواية حيث يكون الضعف الجنسي لعم هيلدا هو الصورة المهددة لكينونته كذكر والدافع إلى اتّهام زوجته بالخيانة ومن ثم الإقدام على الانتحار (ص241- 242).

وفي سرد اجتماعيّ واعِ ذكي، تتنقل الكاتبة القديرة جنى الحسن لتظهر أن تفاصيل الذهنية الذكورية والتمثلات الجندرية تحكم ليس فقط حياتنا الجنسية، بل أدقّ تفاصيل حياتنا اليومية، وفي هذا نلاحظ اختيار الحسن لفضاءات وصفات وأعمال واختصاصات علمية تتمّ جندرتها ثقافياً ووضعها في قوالب نمطية يحكمها تغيير بطيء للغاية.

ففي المخيّم كانت والدة مجد ربة منزل تهتم بتربية ولدها وتقدم الدعم لقرارات زوجها، وبعد عقود من الزمن، نرى أن ماريان الصديقة الأميركية تضحّي بحياتها ورغباتها الأنثوية كامرأة من أجل تربية ولديها بعد فقدانها لزوجها في حرب الخليج، وإذا كانت إيفا الصديقة المكسيكية التي هربت من اغتصاب زوج والدتها فقد عملت في صالون تزيين نسائي قبل أن تغتنم فرصة التمثيل، فإن هيلدا، اللبنانية المسيحية ابنة العائلة الثرية، قد اختارت أن تدرس الرقص والأزياء ليصبح الجسد “الأنثوي” المثير طاغي الحضور في حياة نساء “طابق 99″، كما الجسد “الذكوري” المتألّم المرسخ لتشكيل الهوية الفلسطينية حاضر في الرواية نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *