fbpx

فصل من رواية نادي النيل الأسود السري

المشتبه به   “أ”

 

شكرًا أيتها الحياة، يا لها من سعادة أن نركض من المهد إلى اللحد ونحن نصرخ بأصوات لا تُشكِّل كلمات، ونرسم في العالم حركات لا تُشكِّل أجسامًا، ونبذر بذورًا لا تُنبت صخورًا، ونعبر الحوانيت الغامضة حيث يُباع الحب، ونرتدي ثياب الكهنة المأجورين، ونقتل بوذا كي يحيا الحلّاج، نشرب حتى الثمالة الإحساسَ المتكبرَ بأننا تخلصنا من الأنا المعبودة، ونأكل الأزهار الصفراء الصغيرة في صمت، ونملأ الفراغ بارتعاشات الأجنحة.

هذا هو اليوم الأخير في عذابي.

عشت كل حياتي دون أن أجرب رفاهية الاختيار، وها أنا أُنهيها باختيار وحيد.

سئمت العيش في واقع بارد، مجردٍ من دفء حلم، كرهت الحياة في ظروف تَرضى عن السهو وتكافئُ على الخطأ.

عندما تركب المترو ستتلاصق الأجساد المبللة برائحة العرق الكريهة وروائح الأحذية المقرفة حتى تضيق الصدور ويُصبح الحصول على نفَسٍ واحد من الهواء هو منتهى الأحلام.

هل أصطلي بالنار في الدنيا والآخرة أيضا؟ لماذا يا رب!

 ألا تكفي الآخرة إن كنتَ ستُدخلني النار؟ هل كُتب عليَّ العذابُ مرتين؟ ألا يكفي أن الجميع يُصرون على أني أشبه الفنان الراحل حسن عابدين وكأني توأمُه؟! حتى نظرة العين الساخطة وتقطيبة الوجه.. يقولون إنها له وليست لي.

اللعنة على العمل والزواج والأولاد والحياة كلها!

عندما يولد الإنسان فإنه يبدأ طريق العودة.

أنا رجل تقليدي في كل شيء. أحب قراءة جريدة الأهرام ولا أجد طعمًا في الحصول على الأخبار بواسطة الهاتف المحمول المتصل بالإنترنت.. خط سيري اليومي لا يتغير كأن الجبرية لا تنطبق إلا عليَّ.

أول ما أفعله بعد خروجي من بيتي كل صباح هو شراء “الأهرام”، ثم اختراق بعض الشوارع الجانبية حتى أصل إلى محطة المترو، على رصيف المحطة.. وفيما أكون بانتظار وصول المترو أفتح الصفحة قبل الأخيرة من “الأهرام”، لا أحب العناوين الرئيسية فليس بها إلا الأحلام أو الخيالات، في الصفحة قبل الأخيرة أقرأ الباب الذي أفضله في الجريدة منذ سنوات وهو (صدِّق أو لا تُصدِّق).

أحفظ محطات المترو عن ظهر قلب وأعرف أنني سأنزل بعد سبع محطات، يستوقفني ذلك التعبير المشترك الذي يرتسم على وجوه الجميع عندما يصل المترو إلى أي محطة، فالراكبون يمدّون أعناقهم بفضول يمسحون وجوه الواقفين على المحطة، والمنتظرون يتفحصون وجوه النازلين والماكثين في المترو باهتمام أكبر، الجميع يبحث عن شيء ما، أو شخص ما، هناك دائمًا وجه مفقود، أو إحساس تائه، أو ابتسامة مرجوة، نبحث جميعًا عن شيء لا نعرفه في هذا العالم الناقص المتناقض كالأبدية.

(صدِّق أو لاتُصدِّق: مدير عام الحي الذي أعمل به يركب سيارة يتجاوز ثمنها راتبه بالكامل لمدة ثلاثين سنة على الأقل، لا أحد يسأله)

عندنا مثل شعبي يقول: الحساب يوم الحساب!

ويبدو أننا لم نأخذ من الفراعنة أي شيء إلا تلك اللوحة التي تُمثل المصري الميت وهو يقف أمام محكمة الآخرة واثقًا بلا خوف أمام الإله أوزوريس.

ثم أخذنا من الإسلام “إن الله غفور رحيم”

أنا موظف.. لا أظن أنني أحتاج إلى توضيح أكثر!

أريد أن أجد مبررًا واحدًا كي أعيش وأتحمَّل المشهد اليومي الكريه للمرض والبشاعة والظلم والدم!

 اليومَ.. حدث لي شيء مختلف.

كانت عندي مأمورية وهي أن أقوم بتسليم أوراق إنذار أخير بهدم فيلا بمنطقة جاردن سيتي.

كنت أعرف أن الإنذار “كاذب” وأن الفيلا -لو تركها الفاسدون في حالها– ستظل شامخة لخمسين سنة أخرى أو أكثر، ولكن يبدو أن هناك يدًا كبرى تُمسك بممحاة وتمر بها على شوارع القاهرة تمحو بها كلَّ مبنًى أثريٍّ أو أيَّ فيلا سكنها عظماء مثل أم كلثوم وغيرها.

كانت هذه المهمة ثقيلة على قلبي وحاولت أن أعتذر عنها ولكن سيادة المهندس رئيس القسم رفض وصاح في وجهي باحتقار:

– هل أذهب أنا بنفسي؟

هكذا خرجتُ من المكان هاربًا من روائح العفن التي لا تفارقه، معي الأوراق، والعنوان، واستسلامٌ ساخط.

هذه الحياة خالية من أي معنى.

آه.. طفل صغير يقف مع أمه وأصابعه الصغيرة تنخز مؤخرتي، روائح  حولي، عشرات من نغمات الموبايل، وأفواه تبصق الأكاذيب.

اخترع الأجانب المحمول ليكون متعة لكذبنا.

نعيش داخل بث إذاعي متنقل.

وفتاة لا تكف أصابعها عن كتابة الرسائل على واتس آب.

وجوه ضاحكة، قلوب حمراء، وجه يُرسل قبلة، وجه يحمرُّ خداه خجلًا.

يجب أن ننقش –في أسرع وقت- حروف اللغة العربية على جدران المعابد قبل أن تتبخر في الهواء.

كم أتمنى لو أجدت اللغة الجديدة، ستكون رسائلي أكثر بلاغة.

رسالة إلى زوجتي:

“سكين تقطر دمًا”.

رسالة إلى مديري:

“وجه يرتدي عِصابة اللصوص على عينيه”.

رسالة إلى جاري:

“عين حسود يخترقها سهم”.

رسالة إلى نفسي:

“حمار يجرُّ قطارًا”.

رسالة إلى الدنيا:

 “ممنوع الدخول”.  

رسالة إلى الموت:

“لايك!”.

رسالة إلى الحكومة:

 “لا للتحرش”!

أسير على حافة الهاوية، مرتجفًا يهتف بي قلبي “لماذا تُبددُ حياتك في مطاردة المستحيل؟ دمِّر جميع الحدود، أنكِر كل ما تراه عيناك، مت في كل لحظة وأنت تهتف (إن الموت غير موجود!) تسلق خشبة المسرح كي تتدخل في أحداث العالم”.

ولأنه لا يوجد مترو يمر من جاردن سيتي لذا خرجت من محطة “السادات” ومشيت من أمام مجمع التحرير حتى وجدت الأشجار تستقبلني فعرفت أنني في جاردن سيتي.

عشت كل حياتي في “بطن” القاهرة.

 ” البطن” هي القاهرة الحقيقية حيث الحارات اللولبية، والشوارع الضيقة، المقاهي، وأبواب الدكاكين الوطيئة، ورائحة التاريخ المنبعثة من كل طوبة، ووجوه الناس المتعبة الباسمة.

إذا مشيت في شارع الأزهر حتى نهايته، صاعدًا الدرّاسة، فإنك ستجد نفسك فجأة قد نزلت في نفق قصير يلفظك بعد خطوات قليلة إلى اختيارين، فإما أن تدخل يسارًا فتمضي في شارع صلاح سالم، وإما أن تواصل السير إلى الأمام في الطريق.

فإذا واصلت السير في شارع الأزهر في نفس الامتداد ستجد نفسك تمر بجوار مبانٍ قديمة غريبة الشكل، ولكنك بعد دقائق تصل إلى شارع الأوتوستراد عبر ممر ضيق يسمى السكة البيضاء حيث تجد في مواجهتك في حضن المقطم، منشية ناصر.

هذه المباني القديمة غريبة الشكل هي وجهتنا وساكنو المكان يعرفون أن اسمها هو “مقابر المجاورين”، وفي قلبها حي قايتباي بشوارعه قروية الطابع، تحف بها على الجانبين أبنية من طابق واحد، بها أناقة وفخامة زائلة، بعضها مطلي بألوان كالحة وبعضها يكشف عريَ الطوب الأحمر، بعضها متهدم أو متهالك والبعض الآخر قوي ثابت. البوابات من الحديد، والنوافذ مستطيلة بقضبان حديدية، لا يصل ضجيج شارع الأزهر إلى هنا كأنه يحترم حُرمة الموتى. 

هناك فراغات عريضة بين الأحواش تتربع فوقها صفوف من المقابر في العراء بأحجام مختلفة. أنت لا تستطيع أن تمشي وحدك في حواريها المتعرجة حتى ولو كنت مُلمًّا بدروبها وإلا سقطتَ في حفر كثيرة تكشف عن فوهات مفتوحة يسكنها الظلام والخوف، هناك حجرات مغلقة غاصت أبوابها في الأرض منذ عشرات السنين، وأخرى منزوعة الأبواب عن مصطبة متداعية، هذه مقابر انقرض أصحابها.

إذا كنت زائرًا للمكان فلا بد أن الرعب سيركب فوق أكتافك لأنك تمشي فوق الأموات ولأنك لا تعرف أن هناك أسرًا كاملة تعيش بين هذه المقابر، فقد ينفتح جُحر فجأة ويخرج منه شبح أسود يتثاءب، أو تتعثر قدمك في طفل تَقرفَص بين مقبرتين يقضي حاجته. 

بعد عشر دقائق من المشي تخرج إلى ساحة بها مسجد صغير به ضريح الشيخ العفيفي. إذا دخلت معي إلى الضريح فستراه محاطًا بمقصورة من خشب الصندل مشغولة بالحفر الدقيق ومدهونة باللون الأحمر الداكن، شباك الضريح يكشف عن مرقد الشيخ داخل المقصورة الخشبية، دائمًا ترى الضوء في الحجرة ولا تعرف من أين يدخل، حتى في لحظات الغروب  يبدو الضريح كأن شعاعًا من الشمس يكمن فيه لا يغادره.

في الأرض سجاجيد من بقايا عصر الفن المصري الذي لن يعود، باب الضريح هو نفسه باب المسجد، حيث يمكن الدخول من البوابة المطلة على (الوسعاية)، والمرور في ممر ضيق، فتكون حجرة الضريح إلى اليسار، بعد خطوات يكون إيوان المسجد إلى اليمين، وهو بهو كبير مفروش بالسجاجيد والحُصر العتيقة، يستطيع المصلون الخروج من باب آخر مواجه للباب الأول لكنه يُطل على (وسعاية) خلفية. 

للمسجد منبر من نفس نوع خشب مقصورة الضريح، إذا خرجت معي من الباب الآخر المُطل على (الوسعاية) الخلفية التي يحدها سور دائري مواجه للمسجد، وله باب حديدي يظل مفتوحًا طوال النهار، إذا عبرت معي هذا الباب فستفاجأ بمدينة صغيرة يحوطها هذا السور الخارجي، مجموعة من الأبنية الفخمة العتيقة بأبواب مغلقة تسبح في صمت وسكون، تتخلل الأبنية شواهد قبور كالمصاطب العالية والأرض رملية متربة.

في هذا المكان –إذا صدقت أنه موجود بالفعل- أعيش منذ سنوات مع أسرتي.

كنت أعرف أن للقاهرة “وجهًا” جميلًا وكنت أخاف أن أراه، فالذي تعوَّد أن يعيش في الظلام راضيًا سيتعب كثيرًا إذا رأى الشمس، لن تعود حياته أبدًا كما كانت.

أعرف أن “بطن القاهرة ” حيث أعيش هو من يمد “وجه القاهرة” بالحياة، فنحن في “البطن” نعمل، نتعب، نتنازل، نمرض، نُحرَم، نتزاحم، نتقاتل، حتى يظل “وجه” القاهرة جميلاً.

ولا تنس المثل المصري: “مصارين البطن بتتخانق”.

هل سمعت مثلًا يقول: الوجه بيتخانق؟

لا، لأن الوجه هو أول ما تقع عليه العين لذا يجب أن يكون جميلًا، وإذا لم يكن جميلًا فأدوات التجميل تفعل ذلك، الوجه دائماً مثالي، رائق، مخادع، الوجه غالبًا “غير حقيقي”، بعكس البطن الذي هو “حقيقي” أكثر من اللازم لذلك وجب إخفاؤه.

أنا يا سادة رجل توقف عن خداع نفسه كما تفعلون.

ألا ترون السيارات الفخمة والأبراج الشاهقة والمطاعم الفاخرة التي تمتلئ بأولئك السادة المحترمين الذين يعملون –بجدية– في نهب أموال الناس تحت تسميات الصفقات والحصانة والمناصب ومصلحة الدولة؟

تنظرون إليَّ باحتقار ثم تتعلق عيونكم بهم بانبهار! تنحنون لهم وتمطرونهم بأعسل الكلمات وتتمنون لو أصبح أولادكم مثلهم! تمسحون سياراتهم بأعينكم الشرهة وتتخيلون رصيدهم بالبنوك وأنتم تتحسرون وتشكرون الله على نعمة القناعة! 

أنتم جعلتم من أنفسكم قرابين.

إذا فتحتم قلبي ستجدون في داخله قبورًا محطمة. 

يقولون إن هدف الحياة هو السعادة وأقول لكم إن هدف الحياة الأسمى هو الموت! تدهشنا الحياة في البداية وكأنها نهر يتفجر من ينبوع النور ولكن مع التوغل فيها نكتشف أنها هي نفسها بلا بداية.

  أنا ابن الهاوية، ابن القيود، أنا الملك الشرعي للبؤس والألم، وسخطي هو أعلى أشكال الفضيلة.

ما فائدة إخضاع الماء والهواء والزمن والأرض إذا كان الإنسان نفسه سرابًا؟ 

تمشيت على مهل في شوارع جاردن سيتي الضيقة. أرفع بصري متأملًا الفيلات والعمارات التي بُنيت “بفن” و”ضمير” انقرضا كما انقرض الفراعنة الذين نظلمهم كثيرًا عندما نُصر على أننا أحفادهم.

هل يمكن بملايين اليوم أن نبني فيلا أو عمارة مثل هذه؟ أين ذهب من ملكوا هذا الذوق الراقي؟ 

نسيت أن أنظر في الورقة التي كتبت عليها عنوان الفيلا التي أذهب إليها بصفة رسمية، فقد سيطر عليَّ شعور غريب، كأن شيئًا ما يُناديني. أشعر بأن شيئًا ما ينتظرني هناك. عيناي لا تفارقان المباني، لا أنتبه للناس، ولا للسيارات، ولا للمحال، ولا للزمن، ولا للنساء الجميلات.

أسمع أذان العصر يسبح في السماء، أين كنت خلال هذه الساعات؟!

كيف مشيت كل هذه المسافة دون أن تتعب قدماي؟! ولماذا هاجمني الشعور بالتعب في تلك اللحظة فقط؟!

عطش باغتني فدفعني إلى أن أتوقف، وجدت نفسي تمامًا في مواجهة بوابة الفيلا.

كيف؟ هي فعلًا الفيلا التي أقصدها.. ولكن كيف؟!

عندما كانت الأوراق تمر من مكتب إلى آخر طوال شهر لتمتلئ بالإمضاءات والأختام التي تؤيد فعل الهدم المفضَّل عندنا، كنت أنا أتسلل إلى أرشيف المكان حيث ترقد دوسيهات عتيقة تحمل تاريخ كل بيت في القاهرة، لم أجد مشقة كبيرة في العثور على الدوسيه الخاص بها ومنه عرفت أنها فيلا فؤاد سراج الدين ومكانها ناصية شارعَيْ “النباتات” و”أحمد باشا”، بناها كارلو برامبوليني سنة 1908 وأقامت فيه المندوبية الألمانية قبل الحرب العالمية الأولى، ثم شارل بييريل مدير بنك كريدي فونسييه إجيبسيان، ثم مُعلمة سويدية في مدرسة للبنات، وأخيرًا عائلة سراج الدين.

أرفع رأسي فأرى في نهاية السور الحديدي بوابة الفيلا وبها عمود عريض من الحديد يعلوه جزء عريض كأنه ورقة لوتس مقلوبة نُقش في قلبها حرفان متداخلان هما:  

. Cكبيرة تحتضن بداخلها حرف S 

أفكر إذا كان حرف C يُشير إلى كارلو المهندس الإيطالي الذي أبدع في البناء، فماذا يعني حرفS ؟ 

أفكر باهتمام لا أعرف سببه، أعتصر مخي كأنني سأتوصل إلى حل لغز الكون. 

هل هو الحرف الأول من اسم حبيبة كارلو برامبوليني التي ربما بنى لها هذا القصر في يوم ما؟ هل هو الحرف الأول من اسم هذه المندوبية الألمانية التي أقامت بهذا القصر؟ 

أعرف أنني لن أصل إلى نهاية، فهل الحياة إلا أسئلة نبحث عن إجاباتها حتى الشهقة الأخيرة؟ 

أرفع رأسي، وبلا إرادة مني أمد يدي، أرفعها عاليًا وأتحسس تلك الأشكال الفنية البارزة. على جانبَيْ هذين الحرفين هناك تنينان. إي والله تنينان توأمان متقابلان. يتشبث كل منهما بمخالب قدميه بما يُشبه الغصن فيما تلتف رقبتاهما الطويلتان ليتواجه الرأسان الصغيران المتوحشان، الدخيل الواقف أمام البوابة بفكٍّ مفتوح صارخ يبرز منه نابان حادان بينما تقذف عيون التنينين نظرات مخيفة.

كيف تم تشكيل الحديد القاسي ليكوِّن هذا التنين بتفاصيله الدقيقة المخيفة؟ ما هي الرسالة التي أراد كارلو أن يوصلها بوجود هذين التنينين المخيفين في وجه من يدخل الفيلا؟

تهبط يدي تتحسس حديد السور كأنني أعمى يرى بيديه. بامتداد السور هناك أسياخ عمودية تتراص متجاورة كالجنود ولكنها ليست مجرد تكرارات باهتة لا فن ولا شكل لها كما هي في هذه الأيام، أنامل الفنان مستها منذ أكثر من مائة وعشرة من الأعوام فكانت متراصة بترتيب ثابت، هناك سيخ عريض من الحديد يبدو كشخص سلطوي يُحيط به من الجانبين سيخان يتلوَّى كل منهما على نفسه مثل الشمعة كأنهما حارسان لسلطة هذا الذي يتوسطهما، وليس هذا كل شيء، بل يعلو هذه العموديات الحديدية أشكال تتكرر أفقيًّا، وهي على شكل ذلك القلب الشهير الذي تجده في أوراق الكوتشينة والذي يضعك في حيرة.. هل هو قلب أمْ صليب مقوس؟

عندما أمد بصري إلى الداخل حيث البوابة الرئيسية للفيلا أراها على شكل قوس تعلوه أشكال منحوتة لغصن طويل من الورود تمتد إلى الجانبين بينما يتوسط البابَ تمثالٌ لرأس ذي وجه حزين ونظرات منكسرة على الرغم من إكليل الورود الذي يعلو رأسه.

هل هذا الوجه لرجل أم لامرأة؟ يبدو لي بعد أن دققت النظر أكثر أن هناك شعرًا طويلًا يُحيط بهذا الوجه، إذن هي امرأة، لماذا هي حزينة؟ ما سر انكسار نظرتها؟ ولمَ تستقبل هذه المرأة الغامضة الحزينة الزائرين؟ لمَ يكون هذا الوجه الحزين هو أول ما تقع عليه أنظار الزائرين؟ من هذه المرأة؟ هل هي حبيبة كارلو؟

هل ماتت فجأة فنَحَتَهَا حزينة؟ هل هي صاحبة الحرف الغامض “S”؟ هل أُجبرَتْ على التخلي عنه فخلَّدَها في هذا الرأس الحزين؟ ظل السؤال يُلح على ذهني كأنه سؤال وجودي: من هي؟ من هي؟ لماذا أمد يدي إلى الشبح عندما يريد أن يرعبني؟

 تتحرك قدماي ببطء دون أن يفارق بصري الفيلا.. ألمح أعمدة عريضة تقوم على جوانب الفيلا، الأعمدة عريضة من الطوب وفي أعلاها تمثال لرأس أسد تتدلى من فمه حدوة حديدية كحدوة الحصان، رأيت من قبل حُلية لمثل هذا الأسد توضع على أبواب البيوت حيث تُستخدم هذه الحدوة الحديدية للطرق على الباب، ولكن.. لمَ توجد هذه الحدوة -المطرقة- على رأس عمود يرتفع لأكثر من ثلاثة أمتار؟ هل هذه القطعة الحديدية مُثبتة أم أنها تتحرك؟ ولماذا هي هنا؟ لمَ لمْ يتم الاكتفاء بتمثال رأس الأسد فقط؟ إلامَ يرمز رأس الأسد؟ من يمكن أن يصل إلى هذه الحدوة؟ وإذا وصل وحركها.. فهل يُفتح العمود؟

فجأة تجذبني النوافذ.. أتحرك ثلاث خطوات فأصبح في مواجهة نافذة كبيرة مبهرة.. أميل برأسي حتى أسندها إلى حديد السور وكأني أوسع دائرة الرؤية.

النافذة كبيرة، مرتفعة، مقوسة، مغطاة بذلك الشيش ذي السنابل الأفقية المتلاصقة الذي يتم جذبه فتكون انفراجته إلى الأعلى، النافذة تعلوها كوَّة مستديرة مفتوحة بلا زجاج يغطيها، يُحيط بالكوَّة الكثير من الأغصان المتشابكة وارفة الأوراق المصنوعة من الجص، أما زاويتَيْ النافذة نفسها فهناك تمثال يجلس في كل زاوية، ملاك على هيئة امرأة يتكئ بكوعه على إطار النافذة فيما جناحاه مفرودان وراء ظهره “لماذا نعتقد أن في المرأة جزءًا من الشيطان إذا كنا لا نرسم الملائكة إلا على هيئة امرأة؟”.. على رأس الملاك إكليل متشابك الأغصان، هناك رداء طويل يغطي جسم الملاك عدا ساقه اليسرى التي تبرز من فتحة الرداء من الفخذ إلى القدم العارية. لماذا لم يُنحت الملاك عاريًا؟ هل وضع التمثال على واجهة قصر مصري هو السبب الوحيد؟ هل فهم النحات الأجنبي طبيعة المصري المُحافظة؟ 

 عندما أحدُّ بصري أكثر أميز تلك الورقة التي يُمسك بها الملاك في يده اليسرى، ورقة طويلة كأوراق البردي يطويها الملاك بين أصابعه، ما معناها؟ أمَّا يده اليمنى فهو يُمسك بها -باسترخاء- شيئًا ما أسطوانيًّا يبدو لي من مكاني خارج السور كأنه منظار للسماء يسنده إلى ركبته “منظار للسماء! لماذا؟”.. ألاحظ أن القدم اليمنى للملاك تستند إلى شكل مربع كأنه صندوق في واجهته ما يشبه الترس بينما تتدلى قدمه اليسرى باسترخاء خارج إطار النافذة “ما هذا الصندوق؟ وما فائدة الترس؟ هل هو جهاز؟ أم رمز لشيء ما؟”.

 إلى يمين الملاك هناك فرع شجرة غريب الشكل كأنه يخرج من الصندوق المستقر تحت قدمه اليمنى، هناك أوراق عريضة غريبة الهيئة تخرج من هذا الفرع وتملأ فراغ الحائط الذي يستند إليه الملاك بظهره وحتى العمود العريض المجاور الذي يُحدد نهاية النافذة. ما هذا النبات الغريب؟ 

كان الملاك الأيمن يشبهه تمامًا. 

فجأة تداهمني الفكرة “إذا كان كل ما رأيته واهتز له قلبي مجرد واجهة خارجية للقصر.. فماذا عمَّا داخله؟ ولماذا اهتم مَن بنى القصر بإبراز كل هذا الفن وهذا الجمال إلى من يقفون أو يعبرون الشارع خارج القصر؟ ما هي الرسالة التي رغب في توصيلها للناس؟”. 

الناس؟

 من هم الناس الذين كانوا يمشون في هذا الشارع عام 1908؟ المصريون بلباسهم البلدي وحفائهم وجهلهم؟     

مزق قلبي مرأى الحديقة المهملة وقد ذبلت فيها النباتات ونبت بدلًا منها الأكياس البلاستيكية والأوراق المهملة وأكياس الشيبسي الفارغة، يبدو أن أهل الحيِّ قد جعلوا من الحديقة مقلبًا للقمامة كما يفعل غيرهم عندما يجدون شارعًا أو حديقة أو ركنًا نظيفًا إذ يشرعون على الفور في ملئه بتلال القمامة. أخذت أدور ببطء حول سور القصر وقد تسلطت على ذهني فكرة متهورة، ماذا لو دخلت القصر؟ 

كان المكان يبدو مغلقًا، مهملًا منذ سنوات، لكن شيئًا ما كان يدفعني دفعًا لدخول المكان المهجور. استغربت لأفكاري المتهورة التي تُخالف طبعي الجبان الذي تعايشت معه طوال سنوات عمري التي تجاوزت الخمسين حتى الآن. كنت أشعر أنني شاب مقدم على مغامرة خطرة للقاء حبيبته. أعجبني هذا الإحساس وظللت أدور حول سور القصر بحثًا عن كسر في السور، أو جزء من الحديد سرقه اللصوص الذين يسرقون حتى حديد أسوار الكباري وأغطية البالوعات لبيعها وصرف ثمنها على الحشيش.

أنهيت دورتي الأولى حول القصر دون أن أعثر على أثر لمكان أتسرب منه إلى داخل الفيلا.

بدأت دورتي الثانية حول السور وأنا أتحسس الأسياخ الحديدية لعلِّي أجد فيها كسرًا أو تخلخلًا في مكان ما.

لماذا ظل السور بتلك المتانة كل هذه السنوات؟

أثناء دورتي الثالثة حول القصر كنت أتسلى بتمزيق أوراق الملف الذي أحمله في يدي بينما أنثر بسعادة طفل عابث فتافيت الأوراق في الهواء.

في الشوط الرابع انتبهت للمرة الأولى لغروب الشمس.

في الشوط الخامس خُيل إليَّ أن التمثال الأيمن قد ابتسم لي.

في الشوط السادس رأيت التمثال الأيسر وهو يعتدل في جلسته وينظر لي باهتمام.

في الشوط السابع أدركني التعب ولفَّني الظلام.

كنت قد أنهيت الشوط السابع متعبًا أقف في الشارع الصغير الخلفي للقصر. توقفت لألتقط أنفاسي فداهمتني رائحة عطرة وداعبت وجهي نسمات لم أشعر بها من قبل. ولَّيت ظهري للقصر ولمحت النيل يبدو من بين الأشجار الوارفة، تحركت إلى هناك فيما سكن ضجيج الشارع من حولي وأحاطني ظلام لا تفسير له. رفعت رأسي فلم أرَ أي عمود لإضاءة هذا الشارع. جذبتني قوة ما إلى النيل فتحركتُ حتى وقفتُ تحت شجرة لم أرَ أضخم منها في حياتي.. أسندت يدي إلى جذع الشجر المتغضن كوجه عجوز جاوز المائة من عمره وتعلقت عيناي بالنيل الذي تتلألأت مياهه بأضواء بعيدة.

لم يكن الظلام الذي يُحيط بي يُخيفني، بل وجدت فيه إحساسًا بالراحة والسكينة لم أشعر بهما منذ زمن لا أذكره، أتتني من النيل رائحة لم أشم أجمل منها في حياتي.

فجأة لمحت تلك اللافتة الباهتة المثبتة إلى ساق الشجرة المجاورة. 

منعني الظلام من تبين هذه اللافتة من مكاني، تحركت إليها ببطء.. وقفت أمامها، كانت سوداء متهالكة، تآكل خشبها، مسحتُ بكف يدي التراب المتراكم عليها كأعمى يتلمس آخر الجدران بأصابع قلبه، وقرأت الكتابة ذات اللون الأبيض الباهت (نادي النيل الأسود).

فجأة سقط مظروف أبيض متوسط الحجم من أسفل اللافتة.

انحنيتُ ألتقطُ المظروف وتعجبت عندما بدا عليه أنه جديد، بينما أعتدِل في وقفتي ارتجَّ بدني عندما لمحت اسمي مكتوبًا على غِلاف المظروف وإلى جواره كلمة واحدة هي (اقرأ).

تحركت حتى وقفت تحت عمود النور وفتحت المظروف الذي خرجَتْ من أحشائه بعض الأوراق قرأت فيها:

“… أنت لم تكن معي عندما كنت واقفًا أمام المصوراتي مرتديًا حُلَّتي الرسمية الماسونية من أجل الصورة التي قررت أن اُزين بها صدر  قصري الجديد في منيل الروضة”.

ألمح من وقفتي الثابتة الصارمة عينَيْ المصوراتي وهما تتأملان كل تفصيلة في ملابسي فيما تقوم يده الممسكة بالفرشاة في التحرك على اللوحة التي أولت ظهرها لي.

تُرى هل ستشبهني هذه الصورة؟

بطرف عيني ألمح شكلي في المرآة البلجيكية العظيمة التي تحتل حائطًا كاملًا. أطمئن لدرجة ميل الطربوش الأحمر فوق رأسي، وإلى انتصاب طرفَيْ شاربي الكثّ. 

أعرف أن ملامح وجهي صارمة وأن حاجبَيَّ كثيفان وأن أنفي طويل ومائل قليلًا إلى أسفل وأُدرك أنني نادرًا ما أضحك وقليلًا ما أبتسم.

تُرى.. هل يستطيع هذا المصوراتي الأرمنِّيّ أن ينقلَ تفاصيلَ المئزر الجلديِّ ذهبيِّ اللون الذي يطوّق خصري؟ هل سينجح في نقل الرسومات المختلفة التي تزينه مع تلك الشمس الكبيرة التي تتوسطها بابتسامتها الضاحكة يحيط بها عمودان رومانيان؟ هل ستبدو  هذه العين الحارسة التي تُشع نورًا وهذا الهرم الصغير اللذان يتبادلان الأماكن مطوقين المئزر؟

هل ينجح في تقليد هذين السوارَيْن اللذين يطوقان ساعديَّ حتى الكوع؟ هل ستبدو رسمة الفرجار  الذي يتداخل مع المسطرة ذات الزاوية القائمة يتوسطها حرف  “G” الإفرنجي واضحة؟ 

يردد البعض أن الحرف الإفرنجي هو الحرف الأول لكلمة الخالق الأعظم بالإنجليزية “GOD”.. أي الإله. وينفي بعض الكارهين ذلك ويقولون بل المقصود هو كلمة “GEOMETRY”.. أي الهندسة. 

هل سيظهر واضحًا مفتاحُ الحياة الذي يتدلى في سلسلة من عنقي واقفًا مسندًا يدي إلى ناقوس معدني منكفئ على وجهه فوق منضدة خشبية صغيرة؟

هل يمكن للمصوراتي أن ينقل المعنى الكامن والهدف الأسمى من انتمائي إلى تلك الجماعة التي هي مجموعة من العقائد الأخلاقية مثل الحب الأخوي والحقيقة والحرية والمساواة؟

إنني أُومِن بأن الماسونية ذات جذور مصرية.. بل على الأدق فرعونية.

ولقد اطّلعت على برديات اكتشفها باحثون سويسريون وجدت فيها أن طالبي الانضمام إليهم كانوا يمرون باختبارات شتى، ثم يوقفونهم أمام أحد الكهنة -وهو عندهم نائب الإله أوزوريس- وهو جالس على كرسي مرتفع وبإحدى يديه سوط وبالأخرى عُقافة، رمزًا للعدل والإحسان، فيقف الطالب جزعًا من هول الموقف، فيسألونه عن سيرة حياته وكل ما عمله ويدققون عليه كثيرًا فإذا لم يروا في سيرته ما يمنع قبوله يُسلمونه إلى قائد متنكر على رأسه غطاء كرأس الكلب يسير مع الطالب في اتجاه من الطريق، تغشاه الظلمات إلى أن يصل إلى مجرى ماء، فيقف به وفي يده كأس بها ماء ويخاطب الطالب قائلًا:

“أيها الراغب في مؤاخاتنا، الساعي وراء السداد الأعلى، هذا هو  ماء النسيان.. تجرعْهُ يُنسِكَ جميع ما مرَّ بك من الأدناس والنقائص فتصير أهلًا  لاستقبال الفضيلة والحق والصلاح الذي ستتشرف بنواله الآن”.

فيشرب، ثم يتقدم به إلى أماكن أشد ظلمة ورعبًا من ذي قبل، فيزداد وجلًا، ثم ينبثق النور فجأة ويتنسم الهواء المنعش مضوعًا بالروائح العطرية، ثم يسمع الترنيمات الموسيقية، وعندها يُلقَّن الأسرار المقدسة وتُتلى عليه العلوم والمعارف ويُحَسب من ذلك الحين في عِداد سعاة الكمال.

لقد اهتممت بدراسة تاريخ الماسون منذ فجر التاريخ العربى، واكتشفت بصماتهم في بلادنا وكانوا وقتها يسمونهم “البناؤون الأحرار”.

فمن تاريخ العلَّامة ابن خلدون وجدت مقالة عن وصف بناء مسجد المدينة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، يقول النص:

“ثم كتب إليه -يقصد عمر بن عبد العزيز- سنة ثمانٍ أن يُدخِلَ حِجرَ أمهات المؤمنين في المسجد ويشتري ما في نواحيه حتى يجعله مائتي ذراعٍ في مثلها وقدم القِبلة، ومن أبَى أن يعطيك مِلكه فقوّمه قيمة عدل، وادفع إليه الثمن واهدم عليه المِلك، ولك في عُمَرَ  وعثمانَ أسوة. فأعطاه أهل الأملاك ما أحب منها بأثمانها، وبعث الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم بأنه يريد بناء مسجد فبعث إليه ملك الروم بمائة ألف مثقال من الذهب ومائة من الفَعَلة وأربعين حِملًا من الفسيفساء، وبعث بذلك كله إلى عمر بن عبد العزيز  واستكثر معهم من فَعَلة الشام…”

أما عن بناء بغداد فجاء في تاريخ ابن الأثير :

“… وكتب المنصور إلى الشام والجبل والكوفة وواسط والبصرة في معنى إنفاذ الصُنَّاع والفَعَلة وأمرَ باختيار قوم من ذوي الفضل والعدالة والفقه، وأمر باختيار قوم من ذوي الأمانة والمعرفة بالهندسة، فكان ممن أُحضر لذلك الحجاج بن أرطأة وأبو حنيفة، وأمر فخُطت المدينة وحُفر الأساس وضُرب اللبِنُ وطُبخَتْ الآجُرُّ..”

وفي عهد أحمد بن طولون عَهد إلى أحدهم بهندسة جامع ابن طولون الذي ما زال يُدهش الألباب ببنائه الغريب إلى الآن، وفي ذلك الأمر كتب المقريزي:

“… فلما أراد أحمد بن طولون بناء الجامع قدّر له ثلاثمائة عمودٍ، فقيل له ما تجدها أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضِياع الخراب فتحمَّلْ ذلك، فأنكرَ ذاك ولم يختره وتعذَّب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصرانيَّ -الذي تولَّى له بناء العين وكان قد غضب عليه وضربه ورماه في المطبق- الخبر، فكتب إليه يقول: “أنا أبنيه لك كما تحب وتختار  بلا عمد إلا عمودَيْ القِبلة”. فأحضَرَهُ وقد طال شعره حتى نزل على وجهه، فقال له: ويحك! ما تقول في بناء الجامع؟ 

فقال: “أنا أصوره للأمير حتى يراه عيانًا بلا عمد إلا عمودَيْ القبِلة”. فأمر  بأن تُحضر له الجلود، فأُحضرت وصوَّرَهُ له، فأعجبه واستحسنه، وأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنفقة عليه مائة ألف دينار.. فوضع النصرانيُّ يده في البناء …”

كانت مصر آنذاك فيها الصنائع والعلوم،أما صناعة البناء فيظهر أنها كانت محصورة في بعض الأفراد، وبما أن جماعة البنائين الأحرار  كانوا قد انتشروا في المشرق في ذلك العصر لذلك يُرجّح أن ذلك البنَّاءَ كان واحدًا منهم، وإلَّا.. لِمَ حبسه وغضب عليه أحمد بن طولون؟ 

أما عن التاريخ القريب للماسونية في مصر.. فقد أسس نابليون بونابرت أول محفل ماسوني في مصر سنة 1798 م وسمَّاه “محفل إيزيس”.

وفي سنة 1845 م تأسس في الإسكندرية محفل اسمه “الأهرام” انضم إليه كثير من الإخوة الماسونيين، وكان يشتغل بعلم الحكومة المحلية لا يخشى اضطهادًا،  فنحن لا نعرف هذه الكلمة الكريهة في أرجاء القُطر المصري، وإلى هذا المحفل يرجع الفضل الأعظم في بث التعاليم الماسونية في القُطر المصري، والتحق به قسم عظيم من رجال البلاد والأجانب، منهم البرنس حليم باشا والأمير عبد القادر الجزائري، اشتهر هذا المحفل بالأعمال الخيرية فكان له صندوق خاص تُجمع إليه النقود من أجل أعمال البِر. 

وما هي إلا أعوام قليلة حتى أنشأ الشرق الأعظم الفرنساوي محافل أخرى في بورسعيد والإسماعيلية والسويس وغيرها.

ومن الأمور التي أفخر باقتنائها في مكتبتي وثيقةٌ قديمةٌ هي الأمر العالي بإنشاء المحفل الأعظم، وهذا بعضُ نصِّها:

أمرٌ عالٍ (نمرة 77) 

“نحن زولا.. أستاذ أعظم الشرق الأعظم الوطني المصري، ورئيس الطريقة المستقلة. بعد النظر في الأعمال الإدارية الجارية إلى هذا اليوم في الشرق الأعظم الوطني المصري، وبالنظر لإجماع المحافل الفرعية المصرية على اتخاذ الطريقة الإسكتلندية أساسًا لأعمالها.

وبناء على رغبتنا في فصل الدرجات الثلاث الرمزية عن الدرجات العليا، لأنها هي الأساس الحقيقي للماسونية الحقيقية، وفي وضع حد فاصل لكل من المحافل والمجامع الماسونية، وبمراجعة القوانين والشرائع الماسونية المصرية وجميع الشرائع المتعلقة بالطريقة المستقلة قد أمرنا ونأمر بما هو آتٍ:

المادة الأولى: …….

المادة الثانية: …….

المادة الثالثة: 

إن الشرق الأعظم الوطني المصري هو الدولة الماسونية المصرية، وسلطته تشمل جميع الاجتماعات الماسونية من حيث الإدارة فقط، وهو الذي ينوب عنها أمام الحكومة المحلية، وله إدارة صندوق الإحسان العمومي، وعليه القيام بالمخاطبات والمخابرات مع الجماعات الماسونية على وجه العموم، وإليه مرجع الخلاف وفصل الدعاوى، وهو مؤلف من ……

المادة السابعة:

إن هذا الأمر العالي سيُنشر في المنشور الرسمي الماسوني ويُناط تنفيذه بحضرة نائبنا الأعظم الأخ المحترم ماركيس يوسف دي بورغارد.

كُتب في مجلس الشرق الأعظم في 8 مايو 1876م 

التوقيع 

الأستاذ الأعظم ورئيس الطريقة المستقلة 

سوليتوري أفنتوري زولا 

 

والآن عندنا في أرجاء القُطر  -بفضل مجهود الأعضاء- 29 محفلًا تحت رئاستي، وهي:

محفل محمد علي، محفل ممفيس، محفل إيزيس، محفل طيبة، محفل ماركونيس، محفل فيلوي، محفل أينوديوس، محفل الشفق، محفل النجاح الإنساني، محفل مينارفا، محفل الإيسينيين الحقيقيين، محفل الإسكندرية، محفل التوفيق، محفل فيثاغورس، محفل الإبراهيمية، محفل طيبة القديمة، محفل الشمس، محفل الكون، محفل الماراتونا، محفل الحقيقة، محفل النجاح، محفل حياة مصر، محفل روح مصر، محفل الكمال، محفل الثبات، محفل الإخلاص، محفل الاتحاد، محفل الهلال، محفل الوداد.

ولأني أقدِّسُ قيمة الوقت تتحرك شفتاي ببطء لأُملي على غلامي صفحة أخرى من كتابي الجديد الذي سأشرح فيه تفاصيل رحلتي التي عُدت منها لأيام خلت من سياحة طويلة بين أمريكا وآسيا.

أتوقف عندما أشعر بالألم كخنجر حاد بارد يخترق قلبي.

أكتم الألم فلا تهتز عضلة في ملامح وجهي لكنني أعجز عن مواصلة الإملاء على غلامي الذي ربما يظن الآن أنني صَمتُّ لأستجمع شتات أفكاري.

رباه! هل يجيء الموت قبل أن أُكمل كتابي؟

(إن خجلِتَ من الحالة التى أنت فيها فأنت متكبّر )

كم قابلتُ الموت على قمم الجبال التي تسلقتُها؟ كم مرة ابتسم لي وهو يتقدمني وسط أحراش إفريقيا؟ كم مرة تَوَعَّدَني بينما يتأرجح بي القارب الخشبي الضعيف وسط هدير  نهر يشق قرية ريفية منسية من قرى أمريكا؟ كم مرة انتظرني الموت فيها على أرصفة  الموانىء التي زرتها في البلاد الأوروبية؟ كم أتعبتُ الموت معي!

(إن الله هو الحكمة الأزلية القادرة على كل شيء، التي لا يمكن لعقول البشر إدراكها)

فجأة يأتيني صوت المصوراتي باحترام بالغ:

– صاحب السمو مولاي الأمير.. مالت الشمس نحو غروبها وضعف الضوء.. هل تأذن لي بأن أستكمل اللوحة في الغد؟

أشير له بيدي إشارة سريعة بالموافقة فيما أعجز عن تحريك لساني.

أتذكر تلك الشروط القاسية للانضمام للأخوية:

أن يكون رجلًا حر  الإرادة.

أن يؤمن بوجود خالق أعظم بغض النظر عن ديانة الشخص.

أن يكون سليمًا من ناحية البدن والعقل والأخلاق وأن يكون ذا سمعة حسنة.

أن يكون حرًّا لا عبدًا.

أن تتم تزكيته من شخصين ماسونيين على الأقل.

أتحرك سريعًا خارجًا من حجرة المكتب بسبب شعور مفاجئ بالاختناق فيما يتنحى المصوراتي الأرمني الأشيب مع غلامي بعيدًا عن طريقي.

أجتاز  بهو القصر في خطوات سريعة وقلبي يخفق بقوة، أشعر بالموت يضع كفَّه على كتفي في ودّ.

واقفاً وسط حديقتي ترتدُّ إليَّ روحي. هنا المكان الوحيد في العالم الذي يُشعرني بالأبوة!

(تجنَّبْ المجادلات في أمر الدين والسياسة كي تحفظ العلاقات المرتبطة بالنوع الإنساني)

نعم الأبوة.. فكل نبتة وزهرة في هذه الحديقة أحضرتها بنفسي من شتى بقاع العالم وغرستها بكفي هذه في التربة.

يا الله!! الأزهار.. كم أحبها!

(نفسُكَ أبدية أزلية فلا تفعل شيئًا يشينها)

أميل على إحدى الأزهار وأتحسس أوراقها بحنان أبوي. هذه الزهرة بالتحديد هي السبب في رحلتي التي قمت بها منذ سنوات إلى جنوب إفريقيا وظللتُ هناك ثلاثة أشهر باحثًا ومنقبًا عن النباتات التي يصح نقلها وتربيتها بالديار المصرية، وعندما رجعت إلى المحروسة كتبت أخبار هذه الرحلة في كتاب حوى أحوال تلك البلاد النائية وأخلاقَ وعاداتِ أهلِها وتربة أرضها وصفات جوها.

(حارِبْ الرذيلة ما دام فيك عِرق ينبض)

يُداهمني الألم بضراوة أشد.

أين الخدم؟

(لا تذم أحدًا ولاتُكثر من المديح لأحد لأن الله مهندس الكون العظيم الفاحص للقلوب هو وحده القادر على أن يعلم قيمة أفعال خليقته)

تركتُ السياسة لأخي وانطلقت أُشبع رغبتي في السياحة في بلاد الله بغرض أن أنقل للمصريين صور تلك البلاد وأهلها فتزيد معرفتهم بجيرانهم في هذا العالم.

أتكئ على النافورة التي تتوسط مدخل القصر وأرفع عينيَّ إليه.

(اطلُبْ الحقيقة ولا تملَّ من طلبها)

تطالعني على الفور تلك الآية الشريفة التي كُتبت بماء الذهب على مدخل القصر:

(إنَّ الله على كل شيء قدير) 

تتجوّل عيناي بسرعة بين الأسقف والشبابيك والأبواب المنقوشة بالآثار العربية الكريمة.

يعتصر الألم صدري فأُغمض عينيَّ وأرى حياتي كلوحات زيتية تمرق أمام ناظريَّ. أرى نفسي رئيسًا لجمعية الهلال الأحمر، وأتذكر ما قدمته الجمعية من مساعدات في إعانة المنكوبين في الحرب الطرابلسية وكذلك في حرب البلقان.

(اصنَعْ الخير مع من أهانك لأنك إذا عملت معه خيرًا تُظهر شرفك وعظمة نفسك)

أرى نفسي وأخي ونحن طفلان يدخلان خائفين للمرة الأولى مدرسة “الأنجال” بعابدين.

أسقط على الأرض ويدي تقبض على صدري بشدة.

(دافع عن بلادك لأن وطنك هو الذي يجعلك سعيدًا)

يهمس الموت في أذني:

– سيذكر الناس أخاك الخديوي عباس حلمي الثاني وسيذكرون جدك الذي سُميت بِاسمه.. ولكن لا أحد سيذكر الأمير محمد علي باشا الأفخم..

(لتكن النساءُ مكرّماتٍ عندكَ ولا تُسِئ معاملتهن وفضِّل الموت على ارتكاب المنكر )

لا أحد!

سيذكرون أباك محمد توفيق باشا.. الذي كان رئيس الشرف الأبدي للمحفل الأكبر المصري. 

سيذكرون جدك إسماعيل باشا..

لا أحد! 

أنت.. الأمير محمد علي باشا الأفخم.

توجعني كل كلمة.. ومع ذلك كم يلذّ لي أن أنصت إلى الزهور تثرثر حول الموت ….”

***

عندما انتهيت من قراءة الخطاب 

 رفعت رأسي عن اللافتة وانتبهت للمرة الأولى إلى المدخل.

نأتي إلى الدنيا من هاوية مظلمة وننتهي إلى هاوية مظلمة وأنا مخلوق ضعيف وعابر صُنع من الطين والحلم.

***

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *