fbpx

فصل من رواية يتامى الإسكندريةلـ “زينب ظاظا”

الروايات العربية

عمّ سيّد. الخميس صباحاً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . بسم الله الرحمن الرحيم. كم الساعة؟ هل أذن الفجر؟ آه.. آه يا ظهري.. مدد يا أبا العبّاس يا مرسي مدد.. هيلا هوب.. الشبشب.. الكبريت..
لم يأت صابو الليلة. غريبة. دائماً يأتي ليلة الخميس. غريبة. يستحمّ في الليل. عزّ أمشير. خواجة. خواجة ويحبّ البحر. صاحب مزاج. سبحان الله. ابن حلال لا ينظر إلى الناس من فوق لتحت. لا ينظر إليّ أنا من فوق لتحت. أبداً. كلّ خميس قبل الفجر يوقظني بعد حمامه ونشرب الشاي معاً قبل آذان الفجر. كأنّه ابني، ولو أنّه خواجة.
لم يأتِ الليلة.
أنت رجل طيّب يا سيّد. طيّب وساذج يا سلام عليك. ألأن الخواجة صابو شرب معك الشاي كل يوم خميس وثلاثاء لمدة أربع سنوات تطمئن إليه؟ تتوقع مثلاً أن يفعل ذلك إلى أن يأخذك الأجل؟ يا سيد أنت لم تنجب، ولن يحل أحد محل الابن الذي لم يكن. لا يغرّك. هذا الخواجة جدع صحيح. لكنّه ليس منك ولست منه.
البابور غير متفاهم اليوم. بابور قديم وعنيد. ياللا يا حبيبي يا شيخ البوابير ياللا. أنت شيخ البوابير وأنا شيخ الفراشين. من أعيان هذه الإسكندرية. فراش نادي الصيد اليوناني. إسمع الكلام يا بابور الزفت ولا تعاند. شيخ الفراشين يحتاج إلى شاي.. شاي قبل صلاة الفجر حتى أواجه القبلة بوجه آدمي. يا أبا العباس مدد..
لماذا لم يأت صابو الليلة؟ وأين السكر؟ ملعقتان تكفي. كابتن ستيليو دائماً يقول: “احذر السكر يا عم سيد”. لكن الدنيا شتاء. أمشير. رطوبة وبرد. ملعقة زيادة لن تضرّ.
هل يستحم أحد في أمشير؟ نعم. يستحمّ أحد في أمشير. صابو. غريب الأطوار، لكنه جدع. رئيس النادي أعطاه مفتاحاً. هناك ثلاثة مفاتيح للنادي في الإسكندرية كلها. في مصر كلها. في الدنيا كلها. مفتاح مع رئيس النادي. مفتاح مع صابو. ومفتاح مع عم سيد شيخ الفراشين وهو أنا. حتى الملك ليس معه مفتاح. الملك العجوز المريض الله يسامحه.
الرئيس رئيس، والمفتاح من حقّه. أنا الفراش أفتح النادي وأغلقه. وصابو يفتح النادي مرتين كل أسبوع ليستحم في عز الليل وفي عز الشتاء.
الشاي. والله طعمه مختلف. طعمه طعم كل يوم. صحيح شاي صابو أخفّ وأنا أفضّله ثقيلاً.. لكن الأنس يحلّي طعم أي شيء. بصلة المحبّ خروف.
الرئيس أعطاه المفتاح لأنّه لما الحريقة أكلت مبنى النادي تبرّع بمبلغ كبير ليعيد بناءه. مبلغ كبير يعني أنه تكلّف بالعمل كله. لوجه الله. جدعنة يعني.
يقولون إنه غني ولا يفرق معه هذا المبلغ الذي دفعه. سبحان العاطي. غني لكن مؤدب وأصيل. ابن أصل. الحق يقال، لا أحد يعرف أصله وفصله. أعطوه الجنسية اليونانية بعد حكاية النادي. يقولون إنه كان لاجئاً من المجر. وأين هي المجر هذه؟ لا أعرف. المهم أنه يعيش هنا ومعه جنسية يونانية. إسكندراني يعني. يفهم في السمك ويغلب أجدع واحد في الماء.
يقولون إنه أسلم من فترة. الإسلام جميل. ياللا على الجامع يا سيد.
لماذا أسلم؟ ولم لا؟ يقولون حتى نابليون أسلم. ربنا رب قلوب على كل حال. قالوا إنه سيتزوج. ولم لا يتزوج؟ الزواج جميل. الله يرحمك يا فتحية، ويرحمك يا روايح، ويرحمك يا سعدية. لا، سعدية لا. سعدية طلّقتها كما طلقت فتحية وروايح لكنها لم تمت بعد، ربنا يطوّل عمرها، ظلمتهن جميعاً، كنت ملهوف على الولد ولم يأتِ الولد، لا من فتحية ولا من روايح ولا من سعدية، لم يأت الولد ولا حتى بنت تحنّ عليّ في الكبر وأنا هنا مرمي كالكلب أتحسّر لأن ابن الغريبة لم يأت الليلة. يا حمار يا عم سيد، كنت أبقيت سعدية على الأقل. يقولون قد يكون العيب في الرجل أيضاً وليس فقط في المرأة.
***
الجامع القريب شبه فارغ لكن عم سيد لا يستطيع أن يركّز. يحاول أن يفرغ ذهنه ليرحب بكلام الله، ليستقبل سكينة كلام الله. لكن ذباب الهمّ يعبث بسعيه. تأتي أسئلة غير متوقّعة تتخبّط في رأسه. صابو الغائب حاضر بل يبالغ في الحضور، كأنه ابن له لا يستطيع التخلّص من همّه. لكنه ليس ابنه. ابن من إذن؟ أين أبوه؟ قالوا لاجئ. الحرب الماضية لفظت الكثير من البشر الهائمين الذين رسوا على شواطئ الإسكندرية كأخشاب قديمة مشبعة بالماء والملح، مشبعة بالمرارة.
لكنه صغير.. كم عمره؟ ثلاثون؟ يدرك عم سيد مدى جهله. يدرك أن اللاجئين قد يأتون أيضاً بسبب ثورات في بلادهم البعيدة، العجيبة. وعم سيد لا يعرف شيئاً عن المجر. آمين. صدق الله العظيم. غريبة أن يعاشر إنسان إنساناً آخر في حميمية كوب الشاي الأول قبل شروق الشمس صيفاً وشتاءً، ولا يعلم عنه غير اسمه ولون عينيه. وإذا فرغت فانصب وإلى ربّك فارغب صدق الله العظيم. يتنهّد عم سيد و يركع. يزعجه أن يكون منزعجاً إلى هذا الحدّ لسبب يبدو تافهاً إذا ما نظر إليه من الخارج.
***
يوم الخميس صباحاً – كامب شيزار
كانت عزيزة تتأمّل ابنها إبراهيم عبر مائدة السُفرة الكبيرة، تراقب انتقال كل لقمة من الصحن إلى الفم الذي يعجز الشارب الأنيق عن إخفاء تناسق شفتيه الممتلئتين بلا إسراف. كانت تتابع الحركة الرتيبة بحبّ وزهو.. ما أوسمه ابنها هذا الوحيد.. ما أشبهه بأبيه عليه ألف رحمة.. وكم هي فخورة بنجاحه.. من كان يصدّق أنّ ابن الفلّاح سيصير أفندياً كهذا، يبدّل الجلابية الصعيدية بالميري ويُعيّن في الإسكندرية. ابني ضابط. أي والله ضابط «قدّ الدنيا» وها هو لابس الميري وتبدو منكباه العريضتان أقوى في القميص الأفرنجي المكوي، يا سلام..
تنهّدت وتململت على الكرسي الخشبي العالي.. إلّا أفكاره تلك.. يتناول الطعام جالساً إلى مائدة سفرة، حتّى طعام الإفطار.. ولماذا؟ ألا يبالغ قليلاً في تقليد أهل البندر الذين صار منهم؟
عزيزة لا ترتاح لهذه المائدة الضخمة ولا للكرسي الذي يستحيل أن تتربّع عليه بجسمها الملآن، جسم امرأة ريفية أمّ رجل في الثلاثين من عمره.. الثلاثين من عمره.. تنهّدت من جديد وعدلت من وضعها على الكرسي، قاتل الله الكراسي جميعاً، إلّا الكرسي الذي يجلس عليه إبراهيم غارقاً في أفكاره، نازلاً بالخبز البلدي في صحن العسل الأسود والقشطة.. الحمد لله أنّه لم يعترض على الأكلات البلدي، أكلات كلّها خير وفائدة.. الحمد لله أنّه لم لم يُبعدها من داره مع الطبلية وغيرها من عادات البلد البسيطة.
كانت في الوقت نفسه ترى انعكاس ظهر إبراهيم في المرآة الضخمة المثبّتة على الحائط خلفه. غريبة تلك الشقّة الإسكندرانية، كلّها مرايا. ظهره عريض يوحي بالصلابة. كانت ترى أيضاً الخط المستقيم الفاصل بين شعره الأسود وقفاه الأسمر. سبحان الخالق.. رجل.. ذَكَر بَطّ´ حقيقي.. يا خسارة..
– ما بك يا أماه؟ تتنهّدين وكأنّ قلبك يتفتّت..
يا سلام.. إنّها فتحة لم تكن لتحلم بها!
– إنّه يتفتّت فعلاً يا حبيبي.. لا أريد أن أضيف إلى همومك الكثيرة ولكن – وما دمتَ سألت – فإنني اشتقت إلى زيارة أختي في البلد..
عضّ إبراهيم شفته. ها هو قد وقع في الفخّ مرّة أخرى. حاول أن يكسب مهلة.
– تقصدين حقّاً أنّك اشتقتِ إلى النوم مع الجاموسة وجميع حشرات بيت خالتي، التي لن تصدّق حظّها وستنقضّ عليك فور وصولك لترتوي بدمائك بعد غيبتك الطويلة؟
– من؟ خالتك؟!
– لا. النموس والبعوض والبقّ وباقي الحيوانات الأليفة.
– حرام عليك. أنت تعرف جيّداً أنّ بيت خالتك مثل الفلّ، ما عاد أحد ينام مع الجاموسة أو غيرها. ها هو الكلام الذي يقوله عنّا هؤلاء الخنازير الإنجليز، نوّمهم الله في النار.
الله أكبر! إنّها سريعة! لعلّها حضّرت خطابها مسبقاً خلال الساعات الطويلة التي قضتها وحيدة في الشقة الغريبة بينما يعمل هو في القسم.
مسكينة. حياة مملّة ولا شكّ أنّها اشتاقت للبلد، يستطيع أن يفهمها وأن يشفق عليها.
طبعاً، لم يكن يعرف شيئاً عن الأوقات المبهجة التي كانت تقضيها مع الجيران فوق السطح وهي تنشر الغسيل أو تنادي على حمامها ساعة الغروب، معلّقةً على حياة الشارع أسفل العمارة، تلك الحياة الحافلة النشيطة الساحرة.
كان حيّ كامب شيزار كثير الحركة بين الذاهبين إلى سوق الإبراهيمية والقادمين منها بسلال تنضح بالدجاج “الصاحي” وبالخضر، والحمير الصابرة أو النافرة، والرجال مجهولي الأعمال يشربون الشاي والقهوة على الرصيف، يملأون الهواء القديم برائحة الشيشة العطرة، بلعبون الدومينو والطاولة دون أن تفوتهم تفاصيل أجساد المارّات من فلاحات أو بنات المدينة، ملتفّات أو غير ملتفّات بالملاية.
لا تستطيع عزيزة أن تنكر استمتاعها بالمشاهدة. لكنّه استمتاع خاص، لا داعي أن يعلم به ابنها. بل من الأفضل أن يقنع بصورة الأم الأرملة التي رضيت بالمنفى، متفانيةً لمصلحة ابنها الوحيد.
– يا أماه، تعرفين أنّني غارق في الشغل..
يعني. غارق´ هذه لعلّ فيها شيئاً من المبالغة. فقد خمدت نيران الثورة منذ زمن. أمّا مشاغبات الطلبة والمؤامرات الفاشلة التي تستمرّ في الظهور من حين لآخر، فهي من اختصاص الجيش والشرطة السياسية هناك في القاهرة.. أحسن. إبراهيم لا يحب السياسة، لا يودّ أن يحتكّ برجالها.
الإسكندرية في الشتاء ليست بالضبط عاصمة الجريمة العالمية، ولا حتّى المحلّية. لذلك قد سمح الحكمدار لمساعده القديم جرجس بالسفر إلى بلده في الصعيد بينما تولّى إبراهيم الروتين الإداري وفي بعض الأوقات النظر في قضية هزيلة.. “حرامي” صغير.. اعتداء خائب.. عراك بين بحّارة مخمورين، لا شيء يشغل الذكاء أو الخيال لأكثر من نصف ساعة، والباقي شغل كونستابلات، جري وصوت خشن واستعمال عاقل للعصا والسلام.
مع ذلك كان إبراهيم سعيداً بحياته في الإسكندرية. لم يتبدد شعوره بالإقبال على عالم جديد بعد، رغم انقضاء عامين على تعيينه. جديدة ما زالت هذه الإسكندرية، وكان قد بدأ يشعر تجاهها باهتمام غريب لم يكن يفهمه تماماً.
غريبة راحته وسط هؤلاء الأغراب. خاصةً في الشتاء. في الشتاء، يشعر الإسكندراني بالحميمية. يشعر أنّه في داره مع ناسه وأشيائه، مثل امرأة تتحرّك حرّةً مرتاحة البال في فستان البيت.
ولكن سرعان ما تتبدّد تلك الأريحية مع أيام الصيف حين تهجم حشود القاهريين فارّين من سعيرهم الصحراوي وأولهم الملك الذي ينتقل إلى المنتزه مع بلاطه وزوّاره الأجانب.
أمّا في الشتاء، فيستطيع المرء أن يتمشّى على مهله، يستكشف أحياء المدينة حسب إيقاعه الشخصي، يتحدّث مع البوّابين والصيّادين، يستمع إلى النمائم اللذيذة، يجلس في المقاهي يرمي الزهر مع رجال مسنّين لا يبخلون عليه بحكايات الزمن.
صحيح الحكمدار لم يكن يبدي له دفئاً إنسانيّاً خارقاً.. لكنّه مع ذلك لم يكن شرّيراً، خاصةً في غياب جرجس. ثمّ أيّ دفء إنساني ينتظره مرؤوس من رئيسه؟ من حكمدار إنجليزي؟
– يا أماه، وعد منّي، في شمّ النسيم سوف آخذك إلى البلد. أمّا الآن فمستحيل. طالما جرجس غائب، فأنا مسؤول..
– مسؤول؟ أهلاً وسهلاً. وهل سيمنحونك علاوة؟ هؤلاء الإنجليز الخنازير. سوف تحتاج إلى بعض الأشياء للزواج.
– زواج؟؟
الموضوع القديم. نعيد ونزيد.
كانت عزيزة على دراية تامّة بعدم تحمّس إبراهيم للفكرة. لكنّ الموضوع جادّ، لا يحتاج إلى أيّ نوع من التحمّس أو الكلام الفارغ.
حاولت أن تطلي صوتها بألوان الإغراء.
– طبعاً يا إبراهيم يا ابني يا تاج رأسي. ألا ترى أن أمّك قد شاخت وتاقت نفسها إلى حفيد تضمّه في أحضانها، يملأ عليها البيت قبل أن يذكرها ربّنا؟ لماذا يا حبيبي تفرط في شبابك وعافيتك في شوارع هذه الإسكندرية وبنت خالتك عايدة تنتظرك ساندة خدّها على يدها؟ بنت بنوت، جمال وتربية وذوق..
ابتلع إبراهيم الشاي الساخن بسرعة وقام. الله. رجل يا سلام.. طول وعرض.. ونعومة في الحركة حتّى في حالة العصبية، حتى بالبنطلون الميري.
– لم أقرّر بعد. أنا ذاهب إلى المكتب يا أمّاه.
كان يفضّل أن يقول «المكتب» بدلاً من «الكراكول». وقع الكلمة أشْيَك.
غسل يديه ووضع الطربوش فوق رأسه واختفى في السلّم تشيّعه أدعية والدته ممزوجة بنظراتها المغتاظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *