fbpx

ننشر فصل من كتاب ما وجدنا عليه آباءنا

إلى الأطفال في كل أنحاء العالم؛
الذين كبروا وصاروا آباء،
والذين لم يكبروا بعد.

علبة فارغة

يولد الطفل، وفي خروجه للحياة يحمل لنا رسالة مهمة، نادرا ما نلتقطها: أنا لديّ عقل!
يحمل لنا هذه الرسالة بالطريقة الوحيدة التي يملكها في ذلك الوقت: (الصراخ/ البكاء).
لا يعرف الطفل بعد اللغة المنطوقة «المعرفية»، ولا يعرف كيف يستخدمها، هذا شيء سيتعلمه لاحقا. لكن من قال إن اللغة المنطوقة هي وسيلة التواصل الوحيدة التي تستخدمها الكائنات العاقلة؟ هناك لغة أخرى نستخدمها منذ ولادتنا، ونظل نستخدمها إلى أن نموت: لغة غير منطوقة، لا تنقلها الكلمات، ولا نعيها ونستقبلها بشكل معرفي؛ لغة جسدية، انفعالية، عاطفية، قد تبدو صامتة، لكنها تقول الكثير.
لغة يحدثنا بها الطفل منذ لحظاته الأولى، يخبرنا بها أن لديه أحاسيس، ومشاعر، وأنه تواق إلى التعبير عنها. يصرخ الطفل ليخبرنا إنه يشعر بالجوع أو العطش، وإنه في حاجة إلى الرضاعة، إنه منزعج من إحساس البلل أو لزوجة برازه، وإنه في حاجة إلى إيقاف هذا الإحساس المزعج، إنه مفزوع لعدم وجود أمه في مجاله البصري، وإنه في حاجة إلى أن ينظر في عينيها ليطمئن.
هذا الاحتياج الأخير تحديدا (وجود الأم في مجال الطفل البصري) نستطيع أن نقف أمامه للحظات، كي نقر حقيقة، ونتأمل إلى أين يصل بنا جهلنا بها.
قبل عام 1975، كان من الشائع، حتى في الأوساط العلمية، أن الأطفال دون عمر ستة أشهر، لا يستطيعون أن يتفاعلوا مع أمهاتهم، وأنهم غير قادرين على التواصل بصريا معهن!
في ذلك العام (1975) يجري دكتور إدوارد ترونيك Edward Tronick تجربته العظيمة التي ستثبت خطأ هذا الاعتقاد، وسيسجل هذه التجربة لاحقا، مصورة بتقنية الفيديو تحت اسم (Still face experiment). في هذه التجربة طلب الباحث من مجموعة من الأمهات ملاغاة أطفالهن الرضع حديثي الولادة، إلى أن يحصلن على استجابة جسدية أو صوتية من أطفالهن (تكون الأم في مجال إبصار طفلها، وتبتسم له مثلا، أو تصدر أصواتا لتنبيهه إليها، حتى ينم عن الطفل حركة أو صوت مستجيب لهذا التواصل). إلى هذا الحين لا يبدو الأمر مثيرا. هذه الاستجابات مألوفة، وكان يلاحظها الجميع قبل Tronick، لكنها لا تعني شيئا. لا تعني بالضرورة أن الأطفال في هذه السن المبكرة يفهمون فعلا فكرة التواصل، وأن استجاباتهم واعية ومقصودة.
في الخطوة التالية من التجربة، يطلب الباحث من الأمهات أن يحافظن على وجودهن في مجال أطفالهن البصري، لكن دون أن يحاولن التواصل معهم (تقف الأم جامدة تماما أمام طفلها، دون أن تبتسم له، أو تصدر له أصواتًا). لاحظ Tronick في هذه الخطوة أن الأطفال، برغم توقف أمهاتهم عن التواصل معهم، لكنهم واصلوا إصدار أصوات وحركات الاستجابة، وكأنهم يحاولون أن يدفعوا أمهاتهم إلى استئناف التواصل.
ها هنا افترض Tronick أن الأطفال لا يصدرون مجرد استجابة لتواصل الأمهات، إنهم يبدؤون عملية التواصل معهن، يقصدونها، هم من يلاغون أمهاتهم الآن!
لكن هذه الفرضية بحاجة إلى إثبات. وها هنا ينتقل الباحث إلى خطوته الثالثة: سيطلب من الأمهات أن يتجاهلن أطفالهن. سيخبر الأم منهن أن تحافظ على وجودها في مجال الطفل بصريا، لكنه سيطلب منها ألا تستجيب للأصوات التي يصدرها، أو حركاته التي سيقوم بها بجسده.
بعد برهة من تجاهل الأمهات لأطفالهن، ستسجل التجربة ملاحظتها الأهم: لقد توقف الأطفال عن إصدار أصوات للأمهات، وتوقفت أجسادهم عن محاولة التحرك والتواصل معهن، ليس هذا وحسب، بل إنهم أشاحوا بوجوههم وأجسادهم بعيدا عن أمهاتهم، ورفضوا الاستجابة لهن ثانية!
كانت هذه هي التجربة الأولى التي تثبت قصدية التواصل عند الأطفال قبل سن ستة أشهر، وأن الأطفال لديهم نوع من الفهم يربط بين تعابير الوجه والعواطف، وأن الأطفال يفهمون لغة الجسد، ويستجيبون لها، ويتعاملون بها. حملت لنا التجربة أيضا حقيقة أكيدة عن أن الأطفال لديهم نوع من الفهم الاجتماعي الأولي primitive social understanding، وأنهم قادرون على التحكم في استجاباتهم العاطفية، وتوجيه انتباههم بشكل مقصود تجاه من يرغب في التواصل معهم، أو صرف انتباههم بشكل مقصود بعيدا عمن يتجاهلهم.

 

 

بالطبع يمكنك أن تتخيل أن هذه التجربة ونتائجها لا يعرف عنها الكثيرون شيئا، وأنه بخلاف المجتمع العلمي، لا يزال سائدا الاعتقاد الشائع بأن الطفل، الذي لم يتكلم بعد، لا يفهم، وبالتالي فمشاعره لا يتم احترامها بالشكل الكافي، ولا تؤخذ على محمل الجد.
هذه التجربة قد تضعنا أمام تساؤلات عديدة: ماذا يفعل الطفل المولود لأم مصابة باكتئاب ما بعد الولادة مثلا؟ كيف يشعر أمام أم عصبية مجهدة تقوم برعايته بوجه عابس؟ هل قد يسجل الطفل شعورا بالرفض، وقلقا من هذه العصبية وهذا النفور؟
في الواقع، يذهب العلم إلى أبعد من هذا الآن، ويقر بأن الطفل قد يبدأ في التواصل مع العالم الخارجي حتى من قبل ولادته. في مراحله الأخيرة في بطن أمه، ينزعج الجنين من أصوات الشجار العنيف، ويهدأ لصوت الغناء الهادئ. ينصح كثير من الأطباء السيدات الحوامل بأن يبدأن التحدث إلى أطفالهن في الثلث الأخير من الحمل. الجنين يسمع في هذه المرحلة، ويبدأ في تكوين شعور بالألفة تجاه الأصوات التي تحدثه، ويستجيب عاطفيا بحسب حدة الصوت أو هدوئه.
هذا السمع ينقل بيانات حسية إلى عقل الطفل، وتترجم هذه البيانات لعاطفة وشعور، ثم يولد الطفل، ويبصر، وتخبرنا تجربة Tronick بأنه يستقبل بيانات بصرية من ملامح أمه (أو مقدم الرعاية) ويترجمها لعاطفة وشعور. يستخدم الطفل جسده وصوته للتعبير عن موقف مقصود من هذه العواطف والمشاعر (يشيح بوجهه بعيدا عن الأم التي تتجاهله).
فهل من الممكن بعد هذا أن نتهم الأطفال بأنهم لا يفهمون؟ هل من الممكن أن نظل متشبثين بالاعتقاد السائد بأن مشاعرهم في هذه السن المبكرة (سن ما قبل استخدام اللغة المنطوقة) هي مشاعر غير مهمة، ولن تضرهم في شيء؟
إن التعامل مع الأطفال الرضع بوصفهم كائنات غير عاقلة هي أول إساءة نوجهها لأطفالنا. هذا اعتقاد خرافي الآن. الرضيع عاقل. يخرج إلى العالم وهو يصرخ بهذه الحقيقة، وتمكننا التجربة العلمية الآن من أن نفهم رسالته الصارخة فهما معرفيا دقيقا، وإذن، فلا حجة لنا اليوم بادّعاء الجهل، أو استمرار التجاهل.
هذا الرضيع لم يعد تلك العلبة الفارغة التي كنا نظنها، إنه يولد بمشاعر مخزونة منذ فترة الحمل الأخيرة، وبفهم اجتماعي أولي يمكنه من بدء التواصل المقصود مع مقدم الرعاية (الأم أو غيرها)، وبلغة عاطفية انفعالية ذات بناء بسيط، يستخدمها للتعبير عن موقف.
حسنا، هو لا يتكلم العربية أو الإنجليزية، أو غيرها من اللغات المعرفية المنطوقة، لكن ليست كل اللغات كلامًا! قلت لك في مقدمة هذا الكتاب إنك ستعارضني حين أقول لك إن الأفكار ليست ذات طبيعة معرفية فقط، أي أنها لا يتم التعبير عنها بكلمات ذات دلالات فقط، وإنما لها طبيعة انفعالية عاطفية أيضا. هذا الرضيع إذن (والذي كنت تظنه غير عاقل) لديه أفكار، لا في صورة كلمات ذات دلالة معرفية، وإنما في صورة عواطف ذات دلالة انفعالية، لن يلبث الطفل أن يتعلم الكلمات التي يصفها بها!
هذا الرضيع إذن يبدأ منذ لحظاته الأولى في تكوين معتقداته عن نفسه والعالم الخارجي، حتى من قبل أن يتعلم اللغة المنطوقة: أنا مرفوض، أو مقبول.. العالم مفزع أو آمن.. إلخ!
قبل نحو خمسة وعشرين عاما من تجربة Edward Tronick، وتحديدا في عام 1950، كان جون بولبي John Bowlby يعد تقريرا، طلبته منه منظمة الصحة العالمية، عن الصحة النفسية للأطفال الذين ليس لهم أسر. كان Bowlby منذ عام 1936 مهتما بدراسة الاضطرابات النفسية للأطفال الذين ينشأون في مؤسسات الرعاية وملاجئ الأيتام. تفرغه لدراسة هذه الحالات أهلته ليكون محل ثقة في إعداد هذا التقرير، لكنها ستسهم بشكل أهم في خروجه على العالم بنظريته الخاصة بالتعلق Attachment theory.
نظرية التعلق الخاصة بـ Bowlby ستصدم العالم بحقيقة أن النمو النفسي السوي للطفل يبدأ منذ ولادته، وهو بعد رضيع، وأن من شأن الخلل في تكوين رابطة تعلق آمنة بين الطفل ومقدم الرعاية، أن يحرم الطفل من نمو نفسي ووجداني متزن وسليم.
قبل أن أحدثك عن Bowlby ونظريته العظيمة، دعني أقرب لك مفهوم (التعلق) كما يقصده الرجل.
في اللغة (عَلِقَ بكذا أو في كذا) أي استمسك به أو نشب فيه. والتعلق كما يعرفه Bowlby هو نزعة فردية داخلية لدى كل إنسان، تجعله يميل إلى، ويستهدف إقامة علاقة عاطفية حميمة مع الأشخاص ذوي الأهمية في حياته، وهي نزعة تبدأ منذ لحظة الولادة، وتستمر طيلة حياته.
فالطفل الرضيع إذن، بحسب Bowlby، وكما ستؤكد تجربة Tronick لاحقا، لديه نزوع أوليّ لتكوين رابطة عاطفية ما بمقدم الرعاية (الأم أو غيرها) بوصفه الشخص الأكثر أهمية لدى الطفل، إذ هو من يقدم على تلبية احتياجاته، ورعايته!
يمكنك أن ترى أن هذه الرابطة العاطفية قد لا يحالفها النجاح دائما، وهي عرضة للإخفاق في تكوينها لسبب أو لآخر. والآن تعالَ معي لنسأل: هل إن فشلت رابطة التعلق في التكون بين الرضيع وأمه، سيكون بسبب فشل الرضيع؟ هل الرضيع مسؤول؟
بالطبع لا، يتحمل المسؤولية قطعا الشخص الناضج البالغ (الأم في هذه الحالة) لا الرضيع!
لكن دعنا من هذا الآن، لن نسارع إلى توزيع الاتهامات التي تدفعنا إلى اتخاذ وضع دفاعي غير مريح، قد يجعلنا غير راغبين في معرفة الحقائق، ويدفعنا دفعا إلى إنكارها وتجاهلها.
يضيف Bowlby إلى نظريته مفهوما، يرتبط بمفهوم التعلق، هو (قلق الانفصال)، ويشير إلى أنه شعور بالقلق ناجم عن ابتعاد الشخص المتعلَّق به عن الشخص المتعلِّق. فلو أن الرضيع مثلا متعلِّق بأمه، وغابت عنه الأم لسبب أو لآخر (بموتها مثلا، أو إهمالها له وانشغالها عنه بشيء آخر) يصيب هذا الرضيع قلق الانفصال.
وجود هذا القلق إذن مصاحب لرابطة التعلق، وسيكون دلالة على سلامة هذه الرابطة من عدمها، كما سنرى بعد قليل.

 

 

ما وجدنا عليه آباءنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *